الفرق بين التشريع السماوى والتشريع الوضعى


الفرق بين التشريع السماوى والتشريع الوضعى
القانون الوضعي تنظيم بشري من صنع الناس ، لا ينبغي مقارنته بالتشريع السماوي الذيجاء من عند الله، للفرق بين الخالق والمخلوق ، ولن يستوي لدى العقول ان يقارن ما صنعه الناس بما صنعه رب الناس.

ومهما ارتقى الناس في سلم المعرفه فانهم لا يستطيعون ان يدركوا حقائق الامور ، وان يحيطوا بها خبرا .وبهذا تكون القوانين الوضعيه عرضه للتغيير والتبديل ،، ولا يكون لهامقياس ثابت لحكم، فما هو حلال اليوم قد يصير حراما غدا.وبذلك تختلف موازين الحياه ومقاييس الخير والشر . وتتلون بتلون الانسان وتحول ميولهوعواطفه فتظل الحياه الانسانيه في اضطراب دائم.كما نشاهده اليوم في حياة الامم التي تحكم بغير ما انزل الله.

يختلف التشريع السماوى عن التشريع الوضعى من عدة وجوه أهمها ما يلى :
1-
التشريع السماوى هو عبارة عن مجموعة الأحكام التى شرعها الله تبارك وتعالى للناس على لسان الرسل ، أما التشريع الوضعى فهو عبارة عن مجموعة القواعد التى تضعها السلطة المختصة فى أمة من الأمم .

2-
التشريع السماوى من وضع الله الحكيم الخبير الذى يحيط بكل شئ علما سواء أكان ذلك فى الحال أو الاستقبال ، بخلاف التشريع الوضعى فهو من صنع البشر ويظهر فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم بالأضافه إلى علمهم المحدود حيث لايستطيعون أن يحيطو بما سيكون فى المستقبل وإن استطاعوا الإلمام بما كان فى الماضى والحاضر .

3-
التشريع الوضعى يقوم به أفراد تؤثر فيهم الرغبات والأهواء والبيئات والمكان والزمان والثقاغة فيتأثر بها التشريع الوضعى ، أما التشريع السماوى فهو من الله الحكيم الخبير فى كل حال وزمان فيختار لعباده ما يضمن لهم دوام الخير والإصلاح .

4-
يمتاز التشريع السماوى عن التشريع الوضعى بأن أى حكم شرعى له مظهران مظهر دينى ومظهر قضائى والمظهر الدينى يراد به الحساب أمام الله تبارك وتعالى ، ويراد بالمظهر القضائى فى اقتضاء حقوق الله والعباد بخلاف الأحكام القانونية الوضعية فليس لها سوى مظهر واحد فقط وهو المظهر القضائى ولا وجود للمظهر الدينى فى هذه الأحكام ولا شك أن مراعاه الجانب الدينى فى الأحكام الشرعية يجعل المسلم لا يقدم على فعل أو تصرف إلا إذا كان حلالا فى الشرع وإن كان قضاء يجيز له ذلك بناء على ظاهر الفعل كما يجعله لا يتمسك ولا يطالب بشئ لاحق له فيه و إن كان يمكنه إثبات ذلك أمام القضاء ، كما يجعله لا يتمسك ولا يطالب بشئ لا يستطيع صاحبه إثباته أمام القضاء وهذا كله يدعو إلى الاطمئنان فى العلاقات بين الأفراد لأن هناك رقابة دينية على الإنسان فى علاقته مع الغير زياده على الرقابة القضائية .

ومن خلال كل ما سبق نجد تنوع المجالات التى يتناولها الفقه الاسلامى فقد اشتمل على كل فروع القانون الوضعى فليس هناك فرع من فروع القانون لم يتكلم عنه الفقهاء المسلمون والاحكام التى تحدثوا عنها تعد منارا أنار الطريق للفكر القانونى الاصيل وبعد أن بينا الفرق الشاسع بين مجرد تطبيق التشريع السماوى تحت مسمى الشريعة الإسلاميه وبين تطبيق القانون الوضعى وإذا كانت هناك حاجه إلى تشريع لمسائل معاصره نصت عليها القوانين الوضعيه ولانجد لها ذكرا فى كتب الفقه الاسلامى رجعنا الى القواعد والاصول العامه للفقه الاسلامى لنجد بالنظر والاجتهاد ما نحتاج إليه من الاحكام فالشريعه الاسلاميه بحق شريعه مرنه ومتطوره صالحه للتطبيق فى كل زمان ومكان.

الفلسفة الإسلامية



الفلسفة الإسلامية
مقدمـة:
مما لا شك فيه أن التفكير الفلسفي بدأ عن اليونانيين ، ووصل إلى إحدى قممه عند المسلمين مع تعدد الفرق حيث تناولوا مشاكل العالم والنفس والألوهية وناقشوها بأسلوب منطقي واتخذوا بصددها مواقف خاصة (مذاهب).
تعددت آراء الباحثين والعلماء حول صدق الفلسفة الإسلامية واتساعها ومدى رصيد الحق واليقين في نظرياتها، حاولنا في بحثنا هذا أن نسلط الضوء على بعض الموضوعات التي تظهر المناحي الفلسفية التي ظهرت عند بعض العلماء والقضايا التي شغلت عقول فلاسفة المسلمين في كثير من المواضع حيث اهتموا للقضايا الدينية اهتماما كبير وراحوا يوفقون بين الدين والفلسفة باعتبارهما مظهرين لحقيقة واحدة، كما أن التقاء الفلسفة بالدين كان لا بد أن يتخذ التوفيق بين النقل والعقل، وبهذه الصورة التي تعتبر للتوفيق بين الفلسفة اليونانية في صورتها المتأخرة وقضايا الإسلام الأساسية.
وبهذا الصدد إذا كانت الفلسفة ضمن سياق الحضارة الإسلامية بقيت ملتصقة بمفاهيم الفلسفة اليونانية، فكيف وصلت الفلسفة إلى المسلمين مع فارق المسافة والثقافة واللغة؟ وهل يتوافق التيار الفلسفي اليوناني مع الإسلام ؟ وما هو رصيد الفلسفة الإسلامية عند فلاسفة المسلمين؟
1-1- مفهوم الفلسفة الإسلامية :
أقرب كلمة مستخدمة في النصوص الإسلامية (القرآن والسنة) لكلمة فلسفة هي كلمة الحكمة، لهذا نجد الكثير من الفلاسفة المسلمين يستخدمون كلمة حكمة كمرادف لكلمة فلسفة التي دخلت إلى الفكر العربي الإسلامي كتعريب لكلمة Philosophy اليونانية.
ويرى بعض العلماء أنها مجموعة الأفكار التي ارتآها العالم الكندي والفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهم في الله والعالم والنفس الإنسانية ، حيث يذهب الكندي في تعريفه للفلسفة " هي علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان" وأضاف" إلى علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة وجملة علم كل نافع والسبيل إليه والبعد عن كل ضار والاحتراس منه "
ومن ثم يكون غرض الفيلسوف نظريا وعمليا أما الغرض النظري إصابة الحق والعملي العمل به ، ويرى الفارابي " أن الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة ويقسمها إلى حكمة إلهية وطبيعية ورياضية ومنطقية" ، كما يعطيها ابن سينا طابعا نفسيا فيقول "الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الإنسانية ويقسم الحكمة كذلك إلى نظرية يتعلمها الإنسان ولا يعمل بها وحكمة عملية مدنية ومنزلية وأخلاقية ".(1)
وحول هذه المفاهيم كان يتناول فلاسفة الإسلام مقتفين أثر الأساتذة القدماء من حكماء اليونان، فكانوا تارة يقتربون من أساتذة اليونان وتارة يبتعدون عنهم، ولم ينتهجوا منهجا مستقلا في التفلسف ولم يخالفوا رأي القدماء إلا في المسائل التي تخرجهم من ملة الإسلام، وظلوا أساتذة في هذا العالم في ظل أساتذة الفلسفة السابقين.
ونخلص إلى أن الفلسفة الإسلامية هي التفكير في الكون وفيما بعده وفي الإنسان في حالة الفردية أو الجماعية من المبادئ والوصايا. (2)
 2 -
فلاسفة الإسلام: من القضايا التي تعرض لها فلاسفة الإسلام بالجدال قضية إثبات وجود الله صفاته، ووجود العالم أحادث هو أم قديم وقضية النفس الإنسانية وفيما يلي بعض آراء الفلاسفة في هذه القضايا
2 - 1- الكندي فيلسوف العرب:
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي المولود حوالي (185هـ/ 801م) والمتوفى في (256هـ/807م)يعرف بفيلسوف العرب لأن جذوره تمتد إلى أصل عربي قحطاني وكان أبوه من ملوك كندة بالعراق كان له اطلاع واسع على الترجمات العربية للكتب اليونانية وبخاصة فلسفة أرسطو كما أنه صحح بعض الترجمات وراجعها وألف "رسالة في الفلسفة الأولى" والواقع أن رسائل الكندي الفلسفية فقد معظمها فقط نذكر بعضها " رسالة في حدوث الأشياء "، "كلام في النفس"، " رسالة الكندي في الجواهر الخمسة"، "رسالة في علة الكون والفساد"،
تناول الكندي في فلسفته ثلاث قضايا رئيسية وهي الله، العالم، النفس
-
القضية الأولى الله:
فالله من حيث طبيعته هو الإنية الحقة( التي لم تكن ليس ولا تكون أبدا لم يزل ولا يزال أيس أبدا )
الإنية : هي الوجود، الليس: هو اللاموجود، الأيس: هو الموجود، فالله هو الوجود التام الذي لم يسبقه وجود ولا ينتهي له وجود ولا يكون وجود إلا به وهو كذلك من حيث الصفات واحد تام، وللكندي براهين على إثبات وجود الله وهو يستند إلى الحدوث والكثرة والنظام التدبير، والبرهان الأول هو برهان الحدوث: فالشيء عنده لا يمكن أن يكون علة لذاته أي لا يمكن أن يكون موجودا لذاته، اذ العالم متناه أي أن له بداية في الزمن وما دام متناهيا فهو موجود، إذا فهو حادث ولا بد له من محدث، ومحدثه هو الله .
البرهان الثاني الذي اتخذه على وجود الله فهو برهان الكثرة: فقد رأى الكندي أن الأشياء المحسوسة متكثرة بالأنواع و متحدة بالأجناس، فالحيوان مثلا واحد بالجنس، كثير بالأنواع ( الحصان، القط، الجمل...الخ) فالاشتراك في الوحدة يرجع إلى علة أولى ما بعدها علة، وهي علة اشتراكها في الوحدة وهذه العلة الأولى هو الله ( سبحانه وتعالى ).
أما البرهان الثالث هو برهان التدبير: وهو دليل الغائية في الوجود المحسوس فالعالم المحسوس لم يوجد عبثا بل لا بد له من مدبر، ولا يمكن معرفة المدبر إلا بمعرفة تدبيره وهو الكون المحسوس المنتظم، وهذا الدليل اقتبسه الكندي من أرسطو.(9)
-
القضية الثانية العالم:
يرى الكندي أن العالم خلق من العدم ، وهذا الرأي يخالف رأي أرسطو الذي يقول بأن العالم قديم وأنه ليس مخلوقا من العدم ، استطاع الكندي أن يصل إلى دليل أصيل لخلق العالم يبين فيه أن العالم ليس بقديم ، كما كان يقول أرسطو ، واتفق الكندي مع أرسطو في فكرة مفادها أن الحركة وإن كانت تبدو عملية لا متناهية فإن مصدرها الثبات وأن هذه الكينونة الثابتة هي التي حولت الثبات إلى حركة .
-
القضية الثالثة النفس:
يجمع الكندي في مسألة النفس بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو ولا نعرف للكندي رأيا خاصا في النفس، ويقول أنها أي النفس "تمامية جرم طبيعي ذي آلة قابلة للحياة وهي أيضا استكمال أول لجسم طبيعي ذو حياة بالقوة: " هذا ما كان فيه الكندي على رأي أرسطو، أما النفس في رأي أفلاطون هي "جوهر عقلي متحرك من ذاته، وهي جوهر الآهي بسيط لا طول له ولاعرض ولا عمق، وهي نور البارئ والعالم الشريف الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت، وهو مقامها الأبدي ومستقرها الدائم ، فالنفس عند الكندي خالدة حيث يقول " إنما نجيء في هذا العالم في شبه المعبر والجسر الذي يجوز عليه السيارة، ليس لنا مقام يطول و أما مقامنا ومستقرنا الذي نتوقع فهو العالم الأعلى الشريف الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت ". (11)
لكنه لا يقطع شيء فيما إذا وجدت النفس قبل البدن على رأي أفلاطون أو وجدت معه، وعلاقة النفس بالبدن عارضة وهي لا تفعل أفعالها إلا بالبدن، وهي متحدة به ولكنها تبقى بعد فنائه.
ويقسم الكندي قوى النفس إلى الحاسة والمتوسطة والعاقلة ، أما القوى الحاسة فهي التي تدرك صور المحسوسات في مادتها وآلاتها الحواس الخمس ، أما القوى المتوسطة فهي القوى المصورة والمتخيلة وهي التي توجد صور الأشياء من غيبة حواملها عنها وتعمل في حالتي (النوم واليقظة ) والقوى العاقلة فهي التي تدرك صور المجردات دون مادة ، أي القدرة على التفكير .
خلاصة :
بهذا يكون الكندي قد عالج أهم الموضوعات الفلسفية التي عالجها الحكماء الأقدمون من قبله وله يعود الفضل في أن عرف العرب مذاهب لم يألفوها من ذي قبل ويخوض أمامهم في موضوعات لم تجد إلى أذهانهم بعد منفذا ، إن المهمة كانت شاقة لكن الكندي عرف كيف يؤديها على أحسن وجه .
2- 2-
الفارابي المعلم الثاني:
أبو نصرمحمدبن محمد بن طرفان بن أوزلغ الفارابي المولود حوالي (257هـ/870م) والمتوفى عام (339 هـ/950م) وهو تركي الأصل من إقليم فاراب لقبه مؤرخو الفلسفة بالمعلم الثاني ولكن تفاصيله لم تعرف على وجه اليقين شأنه شأن سلفه الكندي الذي اتخذه الفارابي قدوة له ومثالا، تعلم من يوحنا بن حيلان وأبو بشير بن متى بن يونس قدم إلى بغداد شابا ودرس المنطق و النحو والفلسفة والموسيقى والرياضيات والعلوم وتدل كتبه إلى أنه كان يجيد التركية والفارسية أما مؤلفاته فقد اشتملت على شروح أرسطو ( ككتاب المنطق والطبيعة و النواميس، الأخلاق )، كما تناول الفارابي في فلسفته ثلاث قضايا رئيسية الله، العالم، النفس
-
القضية الأولى الله:
أما دليله على وجود الله فهو دليل الوجوب و الإمكان يقسم الموجودات إلى قسمين ممكن الوجود(الواجب الوجود بغيره) و واجب الوجود؛ أما ممكن الوجود وهو الذي لا بد لوجوده من علة ، والذي إذا وجد كان واجب الوجود بغير "كالنور الذي لا يوجد بالفعل إلا إذا وجدت الشمس" فهو ممكن الوجود بذاته قبل وجود الشمس وهو غير ضروري الوجود بطبيعته، أما إذا وجدت الشمس فهو واجب الوجود بغيره وهذا الممكن الوجود برهان على وجود العلة الأولى إذ لا بد للأشياء الممكنة من انتهائها إلى شيء واجب هو الموجود الأول إذ أن سلسلة الممكنات تحتاج مهما امتدت إلى من يعطيها الوجود لأنها لا تستطيع أن تعطي ذاتها الوجود فلابد لها من كائن واجب الوجود يعطيها لهذا الوجود وهو الذي تقضي طبيعته بوجوده وهذا الواجب الوجود هو الله ،والله في نظر الفارابي عقل منزه عن المادة وهذا ما يعالجه الفارابي في مسألة الفيض والفارابي يحدد قضية الفيض بطريقة عقلية وذلك بقوله أن الله يعقل ذاته وان العالم صدر عن علمه بذاته ، وقال: «إنما ظهر عنه لكونه عالما بذاته، وبأنه مبدأ النظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه، فإذا علمه علة لوجود الشيء الذي يعلمه ». (41)
-
القضية الثانية العالم:
أما كيف خلق الله العالم فيقول الفارابي كما قال أفلوطين في كتاب الربوبية إن الله لم يخلق هذا العالم الفاسد (المتغير) لكن العالم فاض عنه فيضا وصدر عنه صدورا عقليا، والموجودات جميعا تصدر عن علم الواحد، فالله يعقل ذاته ويصدر عنه العالم نتيجة لعلمه بذاته، والفيض يصدر آليا عن الواحد وليس الوجود غاية العلم الواحد بل يصدر الوجود عن الواحد تلقائيا لكماله وجماله المطلق (ونظرية الفيض يرجع عهدها إلى قدامى اليونان) هكذا بنى الفارابي نظريته في الفيض ونظام الكون، وهي نظام العقول أولها الله المحرك الذي لا يتحرك، و العقول التي تحرك الأفلاك السماوية، و هنا يكرر الفارابي نظرية الفيض الأفلوطينية الإشراقية دون تعديل أو تبديل في مضامينها الأساسية. (15)
-
القضية الثالثة النفس :
ذهب الفارابي مذهب أرسطو في تعريف النفس إذ قال: إنها استكمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة، ويقول الفارابي أن النفس هي صورة الجسد و إنها جوهر روحي مباين له، و يذهب الفارابي مذهبا أفلاطونيا حيث يتبع برهان أفلاطون في طبيعة النفس، فيقول: "أن النفس تدرك المعقولات وهي معان مجردة فلابد أن تكون طبيعتها من طبيعة موضوعات إدراكها، فهي لذالك جوهر معقول وهي مستقلة عن آلتها الجسم، النفس تدرك الأضداد، و المادة لاتستطيع أن تفعل ذلك فهي إذن مختلفة عن المادة، و العقل قد يقوى بعد الشيخوخة ،لكن الجسد يضمحل، فالنفس إذن ليست من جنس الجسد، (61) أما عن خلود النفس فالفارابي يقول بخلود النفس الفاضلة التي كانت تسعى لتحقيق السعادة و ذلك بتحصيل الفضائل العقلية، و أما النفوس التي كانت منغمسة في الشهوات، فهذا لا يضمن لها الفارابي بقاء بعد الموت لأنها حينئذ تكون كالأسباع و الأفاعي مجرد هيولى أي مادة تفنى بفناء الجسد، و تنتهي بانتهائه، و الفارابي هنا أقرب إلى أفلاطون منه إلى أرسطو، و رأيه في فناء النفوس الخبيثة يتعارض مع رأي الشريعة التي تقول ببعث النفوس الخبيثة و الطيبة يوم القيامة فتحاسب على ما قدمت إن خيرا فخير و إن شرا فشر،(17) أما قوى النفس فسيقول الفارابيللإنسان من جملة الحيوان خواص بأنه له نفس يظهر له قوى بها تفعل أفعالها بالآلات الجسمانية، وله زيادة بان يفعل لا بآلة جسمانية وتلك قوة العقل ومن تلك القوى الغذية والمربية والمولدة ،ولكل واحدة من هذه قوة تخدمها، ومن قواها المدركة، القوى الظاهرة والإحساس الباطن والمتخيلة والوهم والذاكرة والمفكرة، والقوى المحركة الشهوانية والغضبية والتي تحرك الأعضاء وكل واحدة من هذه التي ذكرناها تحرك بعلة ومن هذه القوى العقل العملي ». (18)
الخلاصة:
و عموما كان للفارابي الفضل في توطيد أركان الفلسفة في العالم الإسلامي فقد اتخذت شكلها التي آلت إليه بعد و فاته. حيث مزج الفارابي بين الأفلاطونية و الأفلوطينية من جهة و الفلسفة الأرسطية المشائية من ناحية ثانية، كما ظل محتفظا بشخصيته وطبع الأفكار التي اقتبسها بطابعه الخاص. و لأن الفارابي لم يكن لديه تلاميذ مباشرون، فقد أثر فيمن أتي بعده من الفلاسفة العرب و المسلمين، و كان على رأس هؤلاء الشيخ الرئيس ابن سينا الذي اعتمد على الفارابي في فهم الفلسفة اليونانية، و بالتالي وضع كثير من الآراء و النظريات.
2- 3-
ابن سينا الشيخ الرئيس:
تناول ابن سينا كذلك أهم ثلاث قضايا وهي الله، العالم والنفس
-
القضية الأولى الله:
لإثبات وجود الله عند ابن سينا فقد قسم الأدلة إلى قسمين: دليل عقلي و دليل حسي، أما الدليل العقلي فهو دليل الإمكان الذي ذهب إليه الفارابي حيث قسم الموجودات إلى واجب وممكن، ومن هنا يتشعب الوجود إلى ثلاث أقسام: واجب الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره، وممكن الوجود.
وواجب الوجود هو العلة الأولى ومبدأ الوجود معلول على الإطلاق، لأنه لا توجد سوى علة واحدة مطلقة هي واجب الوجود، والممكنات هي الموجودات الصادرة عنه التي تحتاج في وجودها ممكن إلى علة هي واجب الوجود، وترتفع الأسباب كلها إليها غاية الموجودات جميعا واليه ترجع الأسباب جميعا، وكما نرى فهذا الدليل هو عين الدليل الذي ذكره الفارابي لإثبات وجود الله وهو دليل عقلي لأنه يستند إلى التأمل في مفهوم الواجب والممكن ومن ثم يصل عقليا عن طريق الاستنباط إلى ضرورة وجود واجب الوجود، ونرى بعد ذلك أننا يجب أن لا نستند في البرهان على الخالق إلى شيء من مخلوقاته لأننا نستطيع أن نصل إلى الوجود الأول واجب الوجود عقليا ونعرف أن وجوده عين ماهيته أي وجود متحقق وهو يختلف عن الدليل الأول في أن ابن سينا لا يستخدم المنطق بل يصل إلى الدليل بالحدس المباشر، والحدس ضرب من ضروب المعرفة المباشرة دون وسيط حسي ، إذ أن ابن سينا هنا لم يستدل بالمخلوق عن الخالق كما هو الحال في الدليل الكوني بل حدس فكرة الوجود الأول من فكرة الوجود فقط ووصل إلى وحدانيته لأنه يشهد على بعده في الوجود.(12)
-
القضية الثانية العالم:
أما عن وجود العالم فيقول ابن سينا أن العالم قديم لأنه صدر عن الله منذ الأزل، لأن الله عقل ذاته منذ الأزل وهو متأخر عن الله بالشرف والطبع والمعلولية والذات لا بالزمان فإنه لم يبدع في زمان سابق، ولا يجوز أن يتأخر وجود العالم عن الله بالزمان لأنه لو وجد الله ثم وجد العالم لما كان بين الموجودين زمان فيه عدم، ولتساؤلنا عن السبب المرجع للشرع في الخلق بعد الامتناع عنه ولكان معنى هذا أنه قد حدث تغير في الإرادة الإلهية الأمر الذي لا يصح أن يلحق بذاته تعالى، فالعالم إذا قديم بالزمان متأخر عن الله بالذات والله علته ومبدأه.(22)
-
القضية الثالثة النفس:
فيعرف ابن سينا النفس بأنها كمال أول لجسم طبيعي بمعنى أنها كمال لجنس الجسم لا لطبيعته المادية أما وصف هذا الجسم بأنه جسم طبيعي فذلك يراد به تمييزه عن الجسم الصناعي مثل السري والكرسي وأول مرتبها التغذي والنمو، ولهذا فإن ابن سينا يصف هذا الجسم بأنه يتغذى وينمو وهو يشير بذلك إلى النباتية ، أما الحيوان فإن له نفسا تزيد على نفس النبات لأنها تدرك الجزئيات وتتحرك بالإرادة ، وتأتي نفس الإنسان فيعرفها ابن سينا:« بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل الأفعال الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية ».
براهين وجود النفس : هي البرهان الطبيعي والبرهان النفسي والبرهان الاستمراري وبرهان الإنسان المعلق في الهواء .
البرهان الطبيعي : وهو دليل استفاد ابن سينا من فلسفتي أفلاطون وأرسطو، مؤداه أن أفعال الكائن الحي من تغذ، ونمو وتوليد وإحساس وحركة بالإرادة، لا يمكن أن تصدر عن جسم وحده، ومن ثم لا بد من التسليم بأنها تصدر عن مبدأ آخر في ذاته غير الجسم وهو النفس.
البرهان النفسي: النفس المدركة عند الإنسان تختلف عن الكائنات غير المدركة، فأفعال الإنسان كالنطق وتصور المعاني الكلية العقلية المجردة ومعرفة المجهول من المعلوم كل هذه ليست أفعال للجسم فلا بد أنها أفعال النفس.
البرهان الاستمراري: الجسم يخضع للتغير والتبدل لكن جوهر النفس يضل هوهو ونستطيع أن نعرف ذلك من الذكريات المترابطة، فإذا تأمل الإنسان نفسه وجد أنه خلال عشرين سنة ظل هوهو إن تبدل جسمه وطرأ عليه الكثير من التغير والتبدل فالذات مستمرة الوجود.
برهان الإنسان المعلق في الهواء: فحوى هذا الدليل أن الإنسان وإن كان طائرا أو معلقا في الهواء يستطيع أن يغفل عن أعضاء بدنه لكنه لا يستطيع أن يغفل عن نفسه وشعوره بأنيته وهذا برهان على وجود النفس.(1) أما عن خلود النفس فيقول ابن سينا إن الذي لا يفنى منها هو العقل الفعال أما النفس الناطقة فتفنى بفناء الجسد.
الخلاصة:
لقد اتضح لنا من هذا العرض المحدود لفلسفة ابن سينا هو انه وجه الفلسفة الإسلامية وجهة اشراقية ظهرت واضحة في رسائله الصغرى وفي بعض المواضع في كتبه الكبرى التي يلخص فيها آراء المشائين.

الدين والفلسفة
يعتبر كل من الدين والفلسفة حركة فكرية تحاول، كل على حدة وعلى طريقتها الخاصة، الوصول إلى الحقيقة، ومساعدة الإنسان على فهم معضلات الحياة وتعقيداتها وبعض ما يكتنفها من أسرار، والعيش حياة عادية تسودها أجواء من الراحة والمتعة. ويحاول الدين مساعدة أتباعه على التمتع بالحياة والتعامل مع تعقيداتها المختلفة من خلال دفعهم للهروب الواعي من الواقع، خاصة غير المريح منه، والنظر إلى الحياة على الأرض باعتبارها محطة على الطريق لما بعدها من حياة موعودة. أما الفلسفة فتحاول مساعدة أتباعها على التمتع بحياتهم من خلال حثهم على مواجهة تعقيداتها الكثيرة المتنامية، وتطوير قدراتهم العقلية على ممارسة التأمل الواعي والتفكير العلمي، ولا ترى سببا في تخلي الإنسان عن هذه الحياة من أجل ما يعد به الدين من حياة مؤجلة أخرى. وبسبب ذلك يلاحظ المراقب أن حياة الإنسان المؤمن بعقيدة دينية، خاصة الإسلام والمسيحية، تتصف عموما بالبساطة والهدوء النسبي والقناعة، بينما تتصف حياة الإنسان غير الملتزم بفكر ديني بالتعقيد وعدم الاستسلام لمعطيات الواقع والسعي الدءوب نحو تغييرها.
                يتجه المؤمن دينيا عادة إلى حصر تفكيره ضمن حدود ضيقة لا تتجاوز المفاهيم والمعتقدات التي يؤمن بها، ويتحاشى الخوض في غالبية الأمور الحياتية المعقدة، ويقوم في الوقت ذاته بالعمل على إعداد نفسه بهدوء لاستقبال الحياة الأخرى. وفي المقابل، يتجه الإنسان غير الملتزم بفكرة دينية معينة إلى التفكير من منطلق واسع يقوم من خلاله بالانغماس في تعقيدات الحياة وتجنب الخوض في غيبيات الحياة الأخرى. ويعود السبب في تباين المواقف بين الملتزم دينا وغير الملتزم إلى قناعة الأول بأنه ليس بإمكانه أن يفعل الكثير لتغيير قدره في الحياة، وأن كل ما يستطيع أن يفعله ينحصر فيٍ إعداد نفسه للنجاة والسعادة في حياة ما بعد الحياة. أما الإنسان غير الملتزم بعقيدة دينية فيرى أن بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل تغيير معطيات حياته وإسعاد نفسه، بينما لا يرى أن بإمكانه أن يفعل شيئا بالنسبة لحياة ما بعد الحياة التي لا يعرف عنها شيئا.
                إن من أبرز ما يقوم به الدين من أمور هو تحديد معنى وفحوى الحقيقة وحدودها، وبالتالي مساعدة أتباعه على تجنب عناء التفكير في تعقيدات الحياة ومغريات ما بعدها من حياة موعودة. أما الفلسفة فتقوم عادة بفتح الطريق أما الإنسان الواعي لبدء رحلة البحث عن الحقيقة مستخدما إمكانياته العقلية وما توصل إليه الإنسان من أدوات تحليل علمية على مدى العصور. وهذا يعني أن الأول يُقبل على الإيمان بالحقيقة كما يحددها الدين دون تفكير كثير، ويقتنع بالمقولات والوعود الدينية دون بحث معمق، أما الثاني فيبجه إلى البحث في أمور الدنيا قبل أن يؤمن، ويفكر مليا قبل أن يبدأ عملية البحث عن الحقيقة، مما يجعل مواقفه من الحياة وتعقيداتها وما بعدها تقوم على القناعة المؤسسة على البحث العلمي والتفكير التأملي، وليس على الإيمان المؤسس على الغيب.
                خاتمة:
كان لا بد من أن تقضي المواجهة بين الفلسفة والدين إما إلى تعارض أو تأثير أو تأثر أو تزاوج على أي صورة من انتشار التيارات الثقافية فقد كان من المؤكد ألا يتجاهل الدين القضايا الفلسفية ومسلماتها لا سيما عند الخصوص أي أرباب النظر العميق ،فعندما توغل المسلمون في الفلسفة وفي شروح أرسطو ومنطقه وأصبحوا أساتذة وطال باعهم في التفلسف، حصلت في القرن الثاني عشر والثالث عشر للميلاد حركة ترجمة عكسية من العربية إلى اللاتينية، وقد أثرت هذه الترجمات على الفكر الأوروبي وأعادت إلى الأوربيين التراث اليوناني منقحا ومشروحا ومعلقا عليه وعرفوا ابن سينا بأفيشينا، وكان كتاب القانون في الطب لابن سينا يدرس في جامعات فرنسا إلى القرن الثالث عشر الميلادي كما عرفته أيضا قاعات أكسفورد إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، وقد كانت الفلسفة الإسلامية الجسر الذي نقل الفلسفة اليونانية إلى أوروبا. وبهذا نخلص إلى أن المسلمين أنتجوا فلسفة خاصة بهم جديرة بأن تسمى فلسفة إسلامية أسهم فيها مفكروا الإسلام من الشعوب الإسلامية المختلفة.

المجتمع المدني والقيم الديمقراطية



المجتمع المدني والقيم  الديمقراطية
اولاً: في مفهوم الديمقراطية .
ثانياً: المجتمع المدني ( المفهوم، المقومات، الشروط) .
ثالثاً: دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية .
               اولاً : في مفهوم الديمقراطية :
ان الديمقراطية في اللغة السياسية وبمفهومها الواسع، مشاركة الشعب في اتخاذ القرار ومراقبة تنفيذه والمحاسبة على نتائجه من قبل سلطة تشريعية ( البرلمان)، وهناك آليات تعطي شكل ومضمون للديمقراطية،قبل الانتخابات،وحضور الاحزاب السياسية،والفصل بين السلطات،وسيادة القانون،وتداول السلطة سلمياً،غير ان وجود هذه الآليات لوحدها غير كاف بل يفترض توافر الثقافة السياسية الديمقراطية في بنية المجتمع والمؤسسات السياسية،فضلاً عن حضور مؤسسات المجتمع المدني ودور الرأي العام وجماعات الضغط والمصالح، وكل هذه المؤسسات تسهم في صنع القرارات السياسية التي تخدم الصالح العام، مادامت الديمقراطية هي حكم الشعب.
من هنا، فأنه الديمقراطية تعد اطار لتنظيم الصراع سليماً بين افراد وطبقات المجتمع من ناحية،والدولة والمجتمع من جهة اخرى،وفي التحليل الاخير يفضي ذلك الى تجسيد الية رئيسة هي ( تداول السلطة سلمياً) من خلال الانتخابات الدورية العامة، ونخلص الى انه موضوعة الديمقراطية تأتي لتحل اشكالية السلطة،فبدلاً من الصراع على الحكم ( عنفاً يتم الوصول الى السلطة ( سلماً).

      ثانياً : المجتمع المدني  : ( المفهوم ، المقومات، الشروط)
 المفهوم :
ان موضوعة المجتمع المدني قد اثارت جدلاً واسعاً على مستوى المفهوم والدور والوظيفة، واعيد له الاعتبار في المدة الاخيرة بعد ان انكشفت مساوئ الدولة الشمولية .
فالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية لاسيما في اوربا افضت الى القول بأن مفهوم المجتمع المدني والدولة (متلازمان ومتقابلان) فلا يمكن النهوض بمجتمع مدني دون (دولة قوية) تقوم على مؤسسات دستورية وقانونية، هذا لا يعني تبعية المجتمع المدني للسلطة، بل موازياً لها، كما ان من الصعب الكلام عن سلطة دون اكتسابها للشرعية،والشرعية تأتي من الشعب،ودون ذلك تتحول الدولة الى ( دولة معزولة ) فعندما ينهار المجتمع المدني تنهار السلطة والدولة معاً.
نخلص الى ان المجتمع المدني هو ثمرة جهود مختلفة ومتعددة ونشاطات انسانية / اجتماعية / اقتصادية / ثقافية ،سياسية، عبر تأسيس منظمات واتحادات ونقابات وروابط ونواد وجمعيات تعبر عن اراء وافكار ومصالح اعضاءها، وهي مستقلة عن السلطة، ولاتبغي ربحاً، ولاتسعى الوصول الى السلطة،وهي طوعية (اختيارية) تتمثل بروح المبادرة الطوعية الفردية والجماعية ، فهي مجتمع التضامن والتعاون، مجتمع الحوار والاعتراف بالاخر.
  
 2المقومات : لما كان المجتمع المدني مجموعة من التنظيمات الطوعية والحرة التي تملأ المجال بين الاسرة والسلطة، فان له مجموعة من المقومات هي:
 أـ الفعل الارادي الحر والتطوعي لتحقيق مصالح الاعضاء وحماية حقوقهم وحرياتهم.
ب ـ تواجد وعمل هذه المؤسسات في اطار ( دستوري، قانوني ) تكتسب صفة .
ج ـ عدم السعي للسلطة السياسية،فوظيفتها عامل ضغط وتأثير على القرار السياسي. فضلاً عن استقلالها عن السلطة.

3 ـ الشروط: ولكي  يحقق المجتمع المدني غايته لابد من توفر جملة من الشروط وهي.
 اـ شيوع الثقافة الديمقراطية على صعيد المجتمع والسلطة السياسية.
ب ـ توفر فضاء من الحرية على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي ومثبتة دستورياً.
ج ـ توافر مبدأ احترام حقوق كل الجماعات الاثنية والقومية من قبل المجتمع والسلطة السياسية.

 ثالثاً : دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية .
ان مؤسسات المجتمع المدني واحدة من قنوات المشاركة  السياسية في الانظمة السياسية الديمقراطية، وهي تمثل عامل ضغط على السلطة في مخرجات القرارات السياسية للسلطة لخدمة الصالح العام. لكن الفرق انها لا تسعى للسلطة بالرغم من ان اعضاءها اكثر قطاعات المجتمع نشاطاً واستعداداً للانخراط في الانشطة السياسية الديمقراطية. وتبدو العلاقة واضحة بين الديمقراطية والمجتمع المدني، فان من اسباب ضعف التحولات الديمقراطية تعود الى غياب او ضعف المجتمع المدني.ان المجتمع المدني يمثل البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة واسلوب لتسيير المجتمع، ومن ثم فان مؤسسات المجتمع المدني افضل اطار للقيام بدورها كمدارس للتنشئة الديمقراطية،فعندما ينشط المواطن في حيزه المجتمعي فمن الطبيعي ان يتثقف ويتدرب على الممارسة الديمقراطية،ويصبح مهيئاً للانخراط في النشاط العام للمجتمع في اطار ديمقراطي،وحينها يصبح طرفاً فاعلاً ومشاركاً في الممارسة الديمقراطية،وعندما تتوفر امكانية المشاركة الواسعة للمواطنين من خلال المؤسسات،تتوفر حياة داخلية وديمقراطية تمكن الاعضاء من القيام بهذه الادوار. وبذلك تصبح الديمقراطية بناءاً من اسفل  ليشمل المجتمع كله، وطرفاً اساسياً في معادلة الحكم.اذن: يقوم المجتمع المدني بدوره في بناء الديمقراطية على مستويين: الاول : مستوى ثقافي وتعبوي يقوم باداء وظائفه في المجتمع،والثاني : مستوى تربوي من خلال الممارسة الداخلية لاعضائه في التدريب على الاسس والحوار الديمقراطي.

ويتمل دور المجتمع المدني في الاسهام بالتحول والبناء الديمقراطي بمجموعة من الوظائف هي:
1ـ تجميع المصالح : حيث يتم بلورة مواقف جماعية ومطالبية مجتمعية وعرضها على السلطة السياسية للوصول الى حل لتخرج بصيغة ( قرار سياسي) يخدم الصالح العام .
2 ـ تدريب وافراز القيادات الديمقراطية: ان العمل في مؤسسات المجتمع المدني تجتذب المواطنين وتمكنهم من اكتشاف قدراتهم وتوفر لهم السبل في الممارسة،لتجعلهم ناشطين ومهيئين للقيادة،وبذلك تسهم هذه المؤسسات في دفع التطور الديمقراطي وانضاجه.
 3ـ زيادة الثروة وتحسين الاوضاع: تسهم مؤسسات المجتمع المدني في توفير نشاط فردي وجماعي يؤدي الى زيادة الدخل الفردي وذلك يساعدهم في ممارسة النشاط السياسي والمجتمعي والاهتمام بقضايا المجتمع.وعكس ذلك ينصرف الناس عن الاهتمام بقضايا المجتمع والمشاركة بحلها.
4ـ اشاعة ثقافة مدنية وديمقراطية : ان من اهم الوظائف التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني،اشاعة الثقافة الديمقراطية التي تتمثل بالتسامح والتعاون والاعتراف بالاخر المختلف,وادارة الاختلاف بالطرق السلمية. وهذه القيم في مجملها قيم ديمقراطية.


العالمية والتوازن و الإعتدال

العالمية والتوازن و الإعتدال
يرى البعض ان رسالة الاسلام موجهة للعرب دون غيرهم ، فهي خاصة بهم ويجب ألا تتجاوز حدودهم ، فما هو موقفك من هذا الراي ؟ وكيف تثبت العكس وتظهر بان الاسلام دين عالمي ؟
ومااهمية هذه العالمية ؟ وما مظاهرها ؟ وهل للتوازن والاعتدال دور في انتشار الاسلام في جميع بقاع العالم ؟
1- مفهوم العالمية :
 أ) تحديدالمفهوم : يقصد بالعالمية توجه احكام الاسلام وتشريعاته وتوجيهاته للناس كافة على اختلاف اجناسهم قال
تعالى : ( قل ياايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات والارض ) فلم يستثن الله عز وجل احدا
وهذا يعني ان الاسلام رسالة للبشرية جمعاء فهي صالحة للشرق والغرب والشمال والجنوب وهذا يؤكد على مرونتها

ب- الأدلة على عالمية الإسلام :
- فمن آيات القرآن : قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا…) وقوله : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) وقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) …. وغيرها .
- ومن السنة : قوله (ص) :[ أنا رسول من أدركت حيا ومن يولد بعدي ] وقوله (ص) : [ والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يومن بي إلا دخل النار [ رواه مسلم .
وهناك ادلة اخرى كثيرة اهمها :
- دعوة غير العرب الى الدخول في الاسلام كاهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين الذين كانوا يعبدون الاصنام
- خطابات القران ونداءاته العامة  اذ كثيرا ما يوجه القران خطابه الى الناس دون تقييد وهذا دليل على انه لكل البشر
 - وقد تجسدت عالمية الاسلام منذ البداية في رموز كثيرة كبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وعمر القرشي
- اضف الى هذا كتب الرسول (ص ) الى ملوك وامراء عصره يحثهم فيها على اعتناق الاسلام فقد ارسل الى كسرى ملك
الفرس والقيصر عظيم الروم والمقوقس صاحب مصر والنجاشي ملك الحبشة … وقد انتشر الاسلام في شبه الجزيرة
العربية ووصلت الفتوحات الاسلامية الى مصر وشمال افريقيا والشام وبلاد فارس
- ولازال الاقبال على الاسلام في كل ارجاء الكرة الارضية حتى ان هذا الانتشار اصبح يؤرق المسؤولين في الغرب فبدؤوا
في تضييق الخناق على الاسلام والمسلمين ( منع الحجاب - الاستهزاء من الرسول (ص) - الصاق تهمة الارهاب بالمسلمين
- تدنيس قبور المسلمين …) قال تعالى : ( يريدون ان يطفؤوا نور الله بافواههم ويابى الله الا ان يتم نوره ولو كره
الكافرون . هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) .
ج- أهمية عالمية الإسلام : وتتجلى في :
- تعايش الناس في سلام وأمان متآخين مترابطين على أساس مبادئ الكرامة الإنسانية  والاخاء والمساواة والحرية. قال (ص) كلكم لادم وادم من تراب )
- القضاء على العنصرية والعصبية والطبقية بكل أشكالها– كما في الآيات والأحاديث الكثيرة
- انتشار عقيدة الإسلام في جميع أنحاء العالم منذ نزوله وإلى يومنا هذا، ويعتبر في عصرنا الحاضر من أكثر الديانات انتشارا بين الناس عن حرية واقتناع رغم المؤامرات التي تحاك ضده .
- حماية حقوق الإنسان ومبادئها الكونية .
د- مظاهر عالمية الإسلام :
- ختم الرسالات السماوية السابقة ونسخها بالإسلام وجعله عالميا إلى كافة الناس ، قال تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) .
- كونه رسالة ربانية إنسانية رحيمة بالإنسان قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .
- كونه دين سلام وتسامح لاعنت فيه ولا تشدد ولا تطرف ولا غلو .
- كونه يحقق المساواة المطلقة بين الناس ويقضي على كل الفوارق
- كونه خالدا ومتجددا يسد حاجات الناس جميعا في كل زمان ومكان .
2- خاصية التوازن والإعتدال : ( الوسطية )
أ- مفهوم التوازن والإعتدال :
هو حالة من الوسطية والتوفيق بين طرفين متناقظين حتى لا يطغى احدهما على الاخر . والاعتدال هو منهج الاسلام في بناء الشخصية المتوازنة في الحياة ، بعيدا عن التطرف والتشدد والغلو في  جميع المجالات ….
أمثلة للاطراف المتقابلة أو المتضادة في حياة الإنسان : الروحية والمادية ، الفردية والجماعية ، الدنيوية والأخروية الثبات والتغير .
بعض الأدلة الشرعية على وسطية الاسلام واعتداله: فمن القرآن قوله تعالى : (( وكذالك جعلناكم أمة وسطا.. )) .
وقوله تعالى : (( والسماء رفعها ووضع المزان…)) وقوله تعالى : (( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما))
ومن السنة قوله (ص) : ( إياكم والغلو في الدين فإن الغلو أهلك من كان قبلكم). وقوله (ص) : ( إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه ).
ب- أهميتهما في الإسلام :
من حكمته سبحانه ان اختار التوازن والإعتدال شعارا مميزا لهذه الأمة التي هي أخر الأمم ولهذه الرسالة الخاتمة وبعث بها خاتم رسله جميعا وتتجلى اهمية هذا كله فيما يلي :
- أن ذلك يمثل منطق الآمان والبعد عن الخطر فالإسلام متوازن في الإعتقاد والتصور وفي التعبد والتنسك وفي الأخلاق والأداب وفي التشريع ……….
- أن ذلك طريق الوحدة الفكرية ومركزها ومنبعها ولهذا تثير المذاهب والأفكار المتطرفة من الفرقة والخلاف بين أبناء الأمة الواحدة ما لا تثيره المذاهب المعتدلة في العادة .
- أن ذلك يجعل المسلم متوازنا ولايشعر بأي تعارض بين عمله لدنياه وعمله لدينه بإعتبار كل عمل صالح عبادة وذلك منبع قوة شخصية المسلم في كل سلوكاته وأعماله ومفتاح نجاحه في الدنيا والأخرة

المزيد حول الموضوع