الفن


المدرسة الواقعية

المدرسة الواقعية هي المدرسة التي تنقل كل ما في الواقع والطبيعة إلى عمل فني طبق الأصل؟ هي مجمل رصد لحالات تسجيلية كما اقتضاه الواقع من حيث الظروف السياسية والاقتصادية والدينية في ذلك العصر. تدخلت عواطف وأحاسيس الفنان في رصد الأعمال، فكان هناك الواقعية الرمزية والواقعية التعبيرية. جاءت المدرسة الواقعية رداً على المدرسة الرومانسية، فقد اعتقد أصحاب هذه المدرسة بضرورة معالجة الواقع برسم أشكال الواقع كما هي وتسليط الضوء على جوانب هامة يريد الفنان إيصالها للجمهور بأسلوب يسجل الواقع بدقائقه دون غرابة أو نفور. المدرسة الواقعية ركزت على الاتجاه الموضوعي وجعلت المنطق الموضوعي أكثر أهمية من الذات، فصور الرسام الحياة اليومية بصدق وأمانة دون أن يدخل ذاته في الموضوع بل يتجرد الرسام عن الموضوع في نقله كما ينبغي أن يكون، فهو يعالج مشاكل المجتمع من خلال حياته اليومية. إن المدرسة الواقعية هي مدرسة الشعب أي عامة الناس بمستوياتهم جميعا. ويعتبر الفنان الفرنسي كوربيه من أهم أعلام هذه المدرسة الواقعية، فقد صور العديد من اللوحات التي تعكس الواقع الاجتماعي في عصره، حيث إعتقد أن الواقعية هي الطريق الوحيد لخلاص أمته. إن الدور المهم الذي يميز تلك المرحلة، توثيقها لأغلب الشخصيات التي كان لها مركز اجتماعي وسياسي وديني.

فلسفة الفن
أليست الكتابة عن الفن مهمة مستحيلة ؟ ما الفن على العموم ؟ هل يمكن أن نحمل نفس الخطاب حول الفن "التمثيلي"، وحول الفن "الحديث" ؟ وهل كل مجال من هذين المجالين هو بالفعل كل متجانس ؟ هل يمكن أن نتحدث ـ فضلا عن ذلك ـ عن الموسيقى، وعن الهندسة المعمارية، وعن النحث، وعن الصباغة، وعن الشعر، وعن السينما، وعن التصـوير الفوتوغرافي، إلخ. بنفس الطريقة ؟ هل هناك نمط من الفن يمكن أن ننظر إليه بعين الامتياز ويمكن أن يعمل كنموذج، كمثال ؟
كل هذه الأسئلة تستند على قناعة أولية مفادها أن هناك أعمالا فنية، وتصنيفا تراتبيا للفنون، الأمر الذي يفترض أن السؤال الأولي : ما الفن؟ سؤال محلول وهو سؤال مفحم، هو الآخر، بالافتراضات الميتافيزيقية.
أريد فقط أن أبيّن هنا على كون أن "سؤال الفن" هو ما يجبر، ربما، على تحريك هذا النوع من علامات الاستفهام، وعلى فك مفاهيم النموذج والمثال، وأنه سؤال يلزم التوسل ـ على نحو عام جدا ـ بكل نسق التعارضات الميتافيزيقية التي يستند عليهـا الخطاب الفلسفي الكلاسيكي حول الفن، وذلك التعارض بين الفن والطبيعة، بين المحسوس والمعقول، بين الشكل والمضمون بين السطح والعمق، بين الظاهر والواقع، بين الدال والمدلول، إلخ.
جعلُ الفن سؤالا فلسفيا، جعلُ خطاب حول الفن يخضع لهذا النسق من التعارضات، أليس [معنى] هذا هو استعادة سيطرة الفلسفة التي كانت تريد دائما أن تخضع الفن للوغوس وللحقيقة ؟ والتي كانت تضع دائما، وعلى نحو كاشف، فنون اللغة والشعر في قمة المراتب ؟
1 ـ بديل الفن
يجعل هيجل، مثلا (إذا كان الأمر يجدر هنا بمجرد مثال) من الفن لحظة لنمو العقل تجد اكتمالها وبديلها[1] في الدين.
يتم تعريف الفن كتعبير حسي عن العقل. ومعيار التعبيرية (الذي يكون ـ من حيث شرط إمكانيته ـ هو التعارض بين الشكل ـ المادة المحسوسة ـ والمضمون ـ المعنى الفكرة ـ العقل) هـو الذي يُسَوّغ تصنيفا تراتبيا للفنون التي تذهب من الأقل روحية إلى الأكثر روحية : في الرتبة الدنيا يوجد الفن المعماري الذي هو من حيث الشكل، مادة البناء، الكتلة الآلية الثقيلة، ليس له مع مضمونه، العقل، الله ـ إلا علاقة خارجية خالصة، فهو إذن غير جدير بإظهاره وتجسيده، والإبانة عنه. الفن المعمـاري هو فن رمزي يكتفي بتلميح بسيط إلى العقل، مع تـهييئه للطريق نحو تعبير مطابق بإعداده لمواد البناء الخارجية. في قمة هذه التراتبية يوجد الشعر، الفن الأكثر روحية : المادة المحسوسة، الصوت المتمفصل، لا يشكل فيه رمزا، لقد صار مجرد علامة على المضمون، على التمثل، على الجوانبة الروحية. إنه محروم بذاته من كل قيمة جوهرية : ولكن الشعر أيضا، الذي هو المثل الأعلى للفن، اكتماله، هو ختامه في نفس الوقت، حينما يمحي الشكل كليا، كمادة، لحساب قيمته التعبيرية الروحية، حينئذ فإن الفن الذي يكون عليه أن يمثل المضمون الموضوعي في شكل محسوس، يختفي باعتباره كذلك ليجد الشعر اكتماله وبديله في النثر.
لذلك فإن الفنون الوسيطة، النحث، الصباغة، الموسيقى التي يبقى الشكل فيها محسوسا، هي التي، وإن كانت أقل رتبة من الشعر، فهي تتوافق أفضل مع متطلبات "اللحظة" المخصوصة للفن في أن تكون هذا الوسيط الذي يمكن من الكشف عن الروحية في حضن الطبيعة ذاتـها.
"على المحسوس أن يكون حاضرا في العمل الفني، ولكن مع هذا التقييد المتمثل في أن الأمر يتعلق فقط بالمظهر السطحي، بالظاهر المحسوس […] ما يريده العقل هو الحضور المحسوس الذي يتعين عليه أن يبقى محسوسا، ولكن عليه أيضا أن يتخلص من ثقل المادية. لذلك يرتقي المحسوس في الفن إلى حالة الظاهر الخالص بالتعارض مع الواقع المباشر للأشياء الطبيعية. إنه ليس بعد فكرا خالصا، ولكن، بالرغم من طبيعته المحسوسة، فإنه لم يعد واقعا ماديا خالصا".[2]
يكون الشكل والمضمون في النحث متطابقين تماما : لا يعبر الشكل المادي في حد ذاته عن أي شيء، إنه يعكس فقط عمقا حميما مثلمـا أن النحث لا يمكن من تمثيل مضمون روحي دون أن يعطيه شكـلا محسوسـا سهل المنال على الحدس ؟ في الصباغة يكون الفن متحررا من العنصر المادي ويلحق المضمون تخصيصٌ أقصى : مجاله هو حيـاة الروح، كل ما يهزها، كل ما يسعى لأن يتجسد في الفعل. أما الموسيقى فتعـبّر عن الياطنية التجريدية والروحية للإحساس، ومادتـها تكون أقل "مادية" من الصباغة : الصوت الذي يطرب الإحساس هو عنصـر شبه روحي إنه مثالية المادي نفسـه الذي يجد اكتماله في "الصـوت المتمفصل"، مادة بناء الشعر.
كل فن، كيفما كان مستواه التراتبي، يعبر إذن عن العقل على نحو أقل أو أكثر تطابقا، أقل أو أكثر روحية. إنه دائما لغة تتحدث إلى العقل مهما كانت صامتةِ، غايته، وهي مصدر كل رفعته ونبله، تتمثل في كونه يتوجه إلى العقول، يتحدث إليها [غايته]، وهي مرآة العقل، مضاعفه أو شبهه، تتمثل في أن يوقظ فينا، صدى للعقل، "إن المحسوس المجسد ـ الـذي يعبر فيه مضمون ذو جوهر روحي عن نفسه ـ يتحدث إلى الـروح أيضا، والشكل الخارجي ـ الذي يصير من خلاله سهلَ المنال بالنسبة لحدسنا وتمثلنا ـ ليس له من هدف إلا إيقاظ صدى في روحنا وعقلنا".
من خلال منظور كهذا، فإن مجد الفن يتمثل في أن يختفي كفن للإبانة عن العقل المستلب في الطبيعة، وأن يجعلنا، نتذكر أنفسنا كعقول فيما وراء استلابنا في مباشرية الرغبة.
الفن الإسلامي
من أهم الإشكاليات التي تعترضنا في وضع إطار لنظرية عن الفن الإسلامي وضع تعريف للفن ذاته؛ فنقطة المنطلق للحديث عن الفن، والتي يقصد منها تعريفه، هي في ذاتها مثار خلاف المفكرين والفلاسفة على امتداد تاريخ الفكر البشري؛ نظرًا لارتباط حدث الإبداع بالإبستمولوجيا (رؤية الإنسان لعلاقته بالكون وما وراء الطبيعة) من ناحية، ولتشابه المنتج الفني مع أشكال تعبيرية أخرى كالفكر والسحر من ناحية أخرى (1).
ونظرًا لأن مصداقية أي تعريف تكمن في مدى قدرته على التحديد والتفسير؛ فإننا سنكتفي هنا بوضع تعريفنا للفن في تجاوز مؤقت عن الاشتباكات الناتجة عن تصادم تعريفنا مع التعريفات الأخرى.
وعلى هذا فالفن هو: المحاولات التعبيرية التي تستهدف تجسيد المشاعر الإنسانية.
فالحدث الفني يتعلق بالشعور وليس المنطق، وهذا هو الفارق البائن له عن الفكر، والغرض المستهدف هو تجسيد المشاعر، وهذا بدوره هو الفارق البائن له عن السياسية أو الصراخ أو السحر -على حد تعبير روبين جورج كولنجوود- (2).
والتجربة الفنية لا تنبعث من العدم؛ إذ تسبقها في الوجود تجربة نفسية أو تجربة حسية انفعالية. وفي حالة عقد مقارنة غير مشروعة بينها والصنعة تدعى هذه التجربة النفسية غالبًا ?ـ"مادة التجربة الفنية" (3). فالفن يرتبط أساسًا بالوجدان؛ يُوجد بوجوده ويُفقد بفقده. كما يرتبط بمحاولة تجسيد تلك المشاعر المرتبطة بالوجدان. ويتراوح الفن بين كونه فنًا رديئًا أو رائعًا بحسب مدى نجاح هذه المحاولة. وكلما تعمقت التجربة الإبداعية، وكان المبدع قادرًا على تجسيد وجدانه المستثار، وأدّى ذلك إلى استثارة وجدان الآخرين كلما كان الفن ناجحًا.
ولحظة الإبداع الفني هي إعادة تشكيل للواقع ذاته على الرغم من استقلال ذلك الواقع؛ لأن الوعي الإنساني ليس وعيًا كاملاً بالواقع. ولحظة الإبداع تمثل وعيًا معمقًا لجانب محدد أو جوانب معينة من ذلك الواقع دون غيرها، فيتم استيعاب الواقع من خلال الوعي المكثف الانتقائي بذلك الواقع؛ وبذلك يتم إعادة تشكيل الواقع نفسه من جديد، وهو نفس ما يحدث بدرجة أو بأخرى بالنسبة للمتلقي. ومن هنا تبرز حقيقة الفن المعرفية العظمى، من حيث إنه أحد منافذ الإنسان إلى الحقيقة من خلال تجسيد صورة الوجدان. فحقيقة الفن الأولى هي حقيقة كشفية؛ حيث تعبر به النفس عما تراه من حقيقة بصورة موجزة موحية مثيرة. وهو يتفوق في كل ذلك على الحقيقة العقلية، وإن كان يتخلف عنها قليلاً أو كثيرًا من حيث الدقة العلمية.
فاستثارة الوجدان تؤدي إلى تكثيف الضوء على بعض الجوانب المتوارية في النفس الإنسانية، بعيدًا عن الرؤية العقلية الآنية، وتفجير الحقائق الكامنة فيها، وبيان مدى تعلقها بهذا الجانب أو ذاك من نوازعها في تفاعلها المتعمق مع الواقع الخارجي؛ الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تقدير الثقل الحقيقي لتلك الجوانب، ومن ثمَّ إعادة تقدير الموازنات العقلية التي تُقدَّر الحقائق على أساسها.
بل يمكن القول بأن الوجدان المستثار كثيرًا ما يؤدي إلى رؤى كلية مذهلة للحقائق التي يجاهد العقل من أجل الوصول إلى بعض جزئياتها، والتجارب الإنسانية العميقة هي المُفجِّر الأكبر للاستثارات الوجدانية المثمرة، بخلاف النوازع الغرائزية واللاعقلانية المختلفة التي تؤدي استثارتها إلى النفس الإنسانية إلى الشطح والوهم والخيال الجامح.
وكلما تعمقت التجارب الإنسانية كلما كانت معينًا ضخمًا لتفجير الحقائق. والنفوس الإنسانية ذات التجارب الإنسانية العميقة من أهم منافذ الإنسانية لاكتشاف الحقائق. وإن صح هذا في عالم الوجدان فهو صحيح أيضًا في عالم المنطق؛ لأن الرجل العقلاني إذا خلت حياته من التجارب الإنسانية العميقة فلن تقوم أبحاثه إلا على معادلات منطقية مجردة، لن تؤدي إلا إلى كشف القليل من الحقائق. فالتجارب الإنسانية العميقة هي التي تمنح المفكر القدرة على النفاذ إلى الحقائق وكشف الأبعاد الخاصة لبعض الأفكار بما يميزها عن الأفكار الأخرى، ومدى أثرها على المصير الإنساني؛ وهو ما يقيم على أساسه موازناته الفكرية التي ينتج عنها إضافاته الخاصة.

المزيد حول الموضوع