التعايش بين الاديان

التعايش بين الاديان
ليس ثمّة أبلغ وأوفى بالقصد من الآية الكريمة { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }(23)، في الدلالة على عمق مبدأ التعايش في مفهوم الإسلام. ذلك أن المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة، وإذا كان الإسلام قد جعل في قلوب المسلمين متسعاً للتعايش مع بني الإنسان كافّة، ففيه من باب أولى، متسعٌ للتعايش بين المؤمنين باللَّه، وإن كان هذا التعايش لا يعني أننا متفقون في كل شيء، فإذا اشترطتُ ألا أبذل الحسنى إلاَّ لمن كان مثلى تماماً (مسلماً أم غير مسلم)، فمعنى ذلك أنني لا أحب إلاَّ نفسي، وأن الاختلاف معناه العداوة(24).
إن التعايش في الإسلام ينطلق من قاعدة عقائدية، وهو ذو جذور إيمانية،ولذلك فإن مفهوم التعايش من منظور الإسلام ليس هو من جملة المفاهيم الوضعية الحديثة التي صيغت منها قواعد القانون الدولي. إن المسلم يعتقد أن الهدي الإلهي جاء عبر سلسلة طويلة من الرسالات والنبوات آخر حلقاتها اليهوديةُ، فالمسيحية، فالإسلام، فمن الطبيعي إذن أن تكون هذه الأديان الثلاثة أقرب إلى بعضها بعضاً منها إلى سائر الأديان، ويسمى القرآن المسيحيين واليهود (أهل الكتاب)،لأنَّ اللَّه سبحانه وتعالى أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام، قبل أن يتلقى محمد عليه الصلاة والسلام، الرسالة في اكتمالها مصدِّقةً لما بين يديها، ومصوِّبةً ومصحِّحةً ومفصِّلةً أمور الشريعة والقانون بجانب العبادات والأخلاق، فنزل القرآن الكريم وهو الوحيد الباقي على أصله الذي نزل به في لغته الأصلية كلمةً بكلمة وحرفاً بحرف(25).
ومن أبرز مظاهر التعايش الذي ساد الحضارة الإسلامية عبر العصور، أن الإسلام يعتبر اليهود والنصارى أهلَ ديانةٍ سماويةٍ حتى وإن لم يكن هذا الاعتبار متبادلاً. وعلى الرّغم من أن عدم الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، هو عندنا أمرٌ عظيمٌ وشأن خطير، بل هو أمرٌ فارقٌ، فإن الإسلام قد استوعب هذا الخلاف، لا بالتهوين من أمره، أو المهادنة العقيدية له، ولكنه بما رسمه في باب المعاملات من تعاليم تسمح بالتواصل والتراحم رغم خلاف المعتقد(26).
والتسامح في المنظور الإسلامي هو ثمرة التصوّر الإسلامي للإنسان الذي يقوم على أساس معيارين اثنين، أولهما تحديد غاية الوجود الإنساني، التي يتخذ الإنسان الأسباب لتحقيقها، ومن ثم الالتزام بالأسباب التي تتواءم مع هذه الغاية ولا تصادمها، وثانيهما هو مدُّ الوعي بالوجود الإنساني إلى ما وراء الحياة الدنيا القصيرة الفانية، إلى الحياة الخالدة الباقية. لقد خلق اللَّه الإنسان لأهداف أخرى غير التي خلق الحيوان من أجلها، ولم يكن خلقه مجرد إضافة حيوان جديد إلى قائمة الحيوان، إنما كان إيجاد جنس آخر من الخلق، خلقه اللَّه بقدرته، ليعبد اللَّه على وعي، ويعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ومن أجل هذه الغاية وهب له ما وهب من المزايا، وأنزل الكتب لهدايته على أيدي الرسل الكرام صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وكان من أهداف إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط(27).
ومن ضروب القسط أن يسود التعايش بين الأمم والشعوب، بالمعنى الراقي للتعايش الذي يقوم على أساس العدل في المعاملة، والمساواة في العلاقة. وبهذا المعنى فهم المسلمون القسط في قوله تعالى { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط }(28). وقد طبق المسلمون القسط على المستوى اللائق بالإنسان، سواء في معاملة من لا يؤمن بالإسلام وبمبادئه، أو في نظافة المجتمع من الفاحشة، أو في الخدمات الإنسانية التي تقدم للناس، أو في التعاون على البر والتقوى. ويشهد التاريخ أن معاملة المسلمين لغير المسلمين في البلاد المفتوحة كانت مثالاً رائعاً من التسامح لا مثيل له في التاريخ، ويتضح مدى نبله بالمقارنة مع وضع الأقليات الإسلامية التي تقع تحت سيطرة اليهود والنصارى والمشركين عامة(29).
ولعلَّ من أكبر الأدلّة وأقوى الحجج على قيام الحضارة الإسلامية عبر العصور على أساسٍ متينٍ من التسامح في أسطع معانيه، هو تعايش المسلمين مع أهل الديانات والملل والعقائد في البلدان التي فتحوها خلال هذه القرون المتطاولة. ولو ذهبنا نستقرئ شواهد التاريخ، لما استطعنا أن نحصر في بحث محدود المجال، الأمثلةَ الحيَّةَ على التعايش الإسلامي العديم المثال مع أهل الأديان جميعاً، السماوية منها، وغير السماوية، في حين لا نجد أيَّ مظهر من مظاهر التسامح والتعايش في أدنى مستوياته، لدى غير المسلمين.
ولنا أن نقارن بين مشهدين من المشاهد المؤثّرة في التاريخ الإنساني، الأول هو دخول الخليفة عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس فاتحاً، والثاني هو استيلاء القائدين الصليبيين (جودفري) و(تانكرد) على القدس. وننقل عن المؤرخ (تيلور) ما رواه في كتابه (عقل القرون الوسطى) عن المشهد الثاني على لسان أحد القساوسة الذين شاهدوا المدينة بعد استيلاء الصليبيين عليها، وهو القس (ريموند الأجيلي)، فيقول : >... وشاهدنا أشياء عجيبة إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رمياً بالسهام، أو أُرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق القلاع، وعذّب آخرون أياماً عدة ثم ألقوا في النيران، وكانت الطرقات مليئة بأكوام الرؤوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما ركب جواده وسار، يسير بين جثثَ الخيل والآدميين<(30).
أما المؤرخ (ول ديورانت) فيروي في موسوعته (قصة الحضارة) عن بعض المعاصرين لهذه الحملة قولهم : >إن النساء كنَّ يقتلن طعناً بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم ويُقذف بهم من فوق الأسوار، أو تُهشم رؤوسهم بدقّها بالعُمُد. وذُبح السبعون ألفاً من المسلمين الذين بقوا في المدينة<(31).
ونحن لا نسوق هذه الشواهد التاريخية، إلاَّ لنؤكّد على أن التسامح في الإسلام أصلٌ أصيل، وأن التعايش بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الكتاب، مبدأ ثابت من المبادئ التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، لا يدفعنا إلى ذلك الرغبة في إنكاء الجراح واستحضار مساوئ التاريخ، إنما يحفزنا إلى الرجوع إلى صحائف التاريخ المشترك بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الأديان والشرائع والملل، حرصنا الأكيد على أن نوضّح، وبقدرما نستطيع إلى ذلك سبيلاً، أن التعايش هو قيمة من القيم التي اصطبغت بها الحضارة الإسلامية عبر الأحقاب.
أما ما وقع عند دخول الخليفة عمر رضي اللَّه عنه إلى بيت المقدس، فهو صورة مشرقة للتسامح الإسلامي الذي رسَّخَ قاعدة التعايش الديني والحضاري الثقافي، فقد دخل عمر بيت المقدس، فتلقاه البطريرك وطاف معه أرجاء المدينة حتى دخل كنيسة القيامة، فلما حان وقت الصلاة، قال للبطريرك : أريد الصلاة، فقال له : صلِّ في موضعك، وكان في قلب الكنيسة، فأبى خشيةَ أن يقتدي به المسلمون، ويقولون هنا صلَّى عمر، فصارت الصلاة لنا في داخلها حقاً، وقد يؤول بهم الأمر إلى الاستيلاء على الكنيسة مخالفين بذلك ما نُصَّ عليه في العهد العُمَري(32) من احترام كنائسهم وتركها بأيديهم، على مظنة أن ما فعله عمر بموافقة البطريرك، تعديلٌ لما شرط في العهد. بل إن عمر خرج وصلى على درج باب الكنيسة، وبعد أن انتهى من صلاته، كتب أمراً بأن لا تُقام في هذا المكان صلاة جماعة، ولا يؤذّن فيه مؤذّن، ثم أتى عمر الصخرة فبنى عليها مسجد الصخرة(33).
وكما سلفت الإشارة، فإنَّ العبرة من رواية هذا الجانب من تاريخ العلاقات الإسلامية ـ المسيحية، تكمن في تنوير العقل بحقيقة تاريخية شديدة الوضوح، وهي أن التسامح في الإسلام هو عقيدة ثابتة وسلوك راقٍ، بل هو منهج حياة طبَّقه المسلمون في حياتهم الخاصة والعامة، فكان تعاملهم مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، مثالاً رفيعاً عزَّ نظيرُه للتعايش. وهو الأمر الذي يؤكد بما لا يرقى إليه الشك، أن المسلمين رواد التعايش، وأنهم يملكون، وفي كل الأحوال، استعداداً ذاتياً ليتعايشوا مع من يرغب من أهل الأديان والشرائع والملل والعقائد، في أن يتعايش معهم، من دون أن يكون هذا الاستعداد، تفريطاً في خاصية من خصائص هويتهم، أو تخلياً عن معتقد من معتقداتهم، أو تنازلاً عن حق من حقوقهم. وإنما هو تعايُشٌ يخدم أغراضاً إنسانية سامية، من خلال التفاهم والتعاون والعمل المشترك في الميادين التي تحقّق هذه الأغراض.

المزيد حول الموضوع