الشعر


لقد استطاع رواد الشعر العربي الحر أن يصوغوا مفهومهم للشعر من خلال جملة من المصطلحات انطلاقاً من تصورهم للشعر وممارستهم لـه هذه المصطلحات منها ما هو مأخوذ من نظريات أدبية كلاسيكية مثل محاكاة، صناعة، أسلوب، مذهب. ورومانسية مثل تعبير، وحدة عضوية، خلق وإن استعمله أصحاب نظرية الخلق بمفهوم جديد. وواقعية مثل انعكاس، عمل فني، طبقي، ثوري، بناء فوقي وتحتي، شكل معرفي، وهذا ما نجده عند البياتي والحيدري أكثر من غيرهما. وحديثة مثل بنية، تشكيل، هرموني، تفكيك، شعرية. كما يستخدمون مصطلحات من معارف إنسانية مختلفة صوفية كما هي الحال عند عبد الصبور في حديثه عن عملية الإبداع وعند أدونيس في حديثه عن الرؤيا والحقيقة الشعرية، أو الفلسفية كما هي الحال عند خليل حاوي بخاصة. وهذا يدل على أن شعراءنا النقاد والمنظرين قد استفادوا كثيراً من مذاهب أدبية وفكرية وسياسية واجتماعية في تحديدهم لمفهوم الشعر ماهية ووظيفة وأداة. وقد يلجأ الوالد منهم إلى تركيب مصطلح جديد من خلال توفيقه بين مصطلحين معروفين كما نجد لدى أدونيس أحياناً، أو يشتق بعضهم مصطلحاً من تجربته الشعرية. على أن معظم المصطلحات التي يستعملونها متداولة بين النقاد قديماً وحديثاً ولا يمكن أن ننسبها إليهم، ولكن يبقى لكل مفهومه الخاص لها والذي يختلف قليلاً أو كثيراً عن غيره.‏
ويختلف مفهوم رواد الشعر العربي الحر للشعر عن المفهومين السابقين:الكلاسيكي الذي يربط الشعر بمرجع خارجي هو واقع الحياة والرومانسي الذي يربط الشعر بمرجع داخلي هو ذات المبدع. فالمفهوم الكلاسيكي على الرغم من أنه يرى الشعر صناعة فإنه يقيده بالمرجع. وبهذا تصبح قيمة الشعر مرهونة بمدى اقترابه من ذلك النموذج. وفي هذه الحال يبقى الواقع أصلاً والشعر امتداداً لـه يمكن الاستغناء عنه مادام الواقع أكثر عمقاً والشعر صورة له. أمَّا المفهوم الرومانسي فيهتم بالذات منطلقا للإبداع أكثر من طبيعة الشعر. فهو لا يضع مقاييس محددة للشعر بل يركز همه على صدق التعبير عن عاطفة الشاعر.على أن صدق العاطفة ليس مقياساً لجودة الشعر وأن هناك فرقاً بين الصدق العاطفي والصدق الفني. والشعر بهذا ليس نقلاً صادقاً للمشاعر وإلا فما جدوى الشعر إذا كان صورة طبق الأصل لذات الشاعر؟ ومن هنا ذهب رواد الشعر العربي الحر إلى أن الشعر خلق وإبداع وابتكار وليس صورة لمرجع داخلي أو خارجي. فالشعر هنا عالم جديد مستقل نسبياً عن الذات والموضوع وهذا ما يبرر وجوده. وقد تأثر هؤلاء الرواد بأصحاب نظرية الخلق مثل إليوت وجيروم ستولنيتز وألان تيت وغيرهم. وعلى الرغم من تأثرهم بإليوت في نظرية الخلق فإنهم لم يقولوا بالمعادل الموضوعي من حيث هو وسيلة للخلق، وإن ذكروا وسائل مثل الصهر أو التمثل والتحويل وإعادة التشكيل. فالشعر عندهم خلق جديد لا تقليد للموروث الشعري أو المجلوب الغربي إنه شيء مختلف عن مرجعه، لذلك أنه يقول المجهول والممكن ولا يقول الكائن والموجود. فالشعر رؤيا تتجاوز المكان والزمان المحدودين إلى اللامحدود والمحسوس إلى المجرد.‏
وكما يختلف الشعر عن واقع الحياة يختلف أيضاً عن الفنون والعلوم شكلاً ومضموناً، ماهية ووظيفة وأداة. فهو نظام متكامل لـه عناصره المكونة لـه والتي تتفاعل بطريقة خلاقة لتصنع عالماً جديداً. على أن هذا العالم الجديد ليس مغلقاً على ذاته، بل هو منفتح على الآخر. وهو بهذا لا ينتهي دلاليا من حيث أنه يولد دلالات جديدة في علاقته مع القارئ. إنه ليس نقلا لفكرة أو عرضاً لرأي أو سرداً لموضوع بل طريقة جديدة في التفكير والتعبير. فهو طريقة فنية متميزة بلغتها وموسيقاها وصورها. بل هو الذي يعطي هذه الأدوات التعبيرية فنيتها. فاللغة لا تكون شعرية خارج سحره، والصور لا تكسب شعريتها خارج سياقه، والموسيقى لا تأخذ شعريتها إلا ابتداءاً منه. فالشعر هو الذي يخلق لغته وصوره وإيقاعه في تجلياته وما هذه الأدوات التعبيرية إلا بعض وسائله العديدة للظهور والتجلي. ويبقى الشعر أكبر من مكوناته وأدواته وأشكاله التعبيرية المختلفة.‏
وكما يختلف الشعر من حيث طبيعته عن العلم والفلسفة والدين يختلف وظيفة أيضا. فوظيفته لا تكمن في توصيل فكرة أو وعظ وإرشاد بل لـه وظيفته الخاصة. وهو لا يردد ما تهدف إليه المعارف الإنسانية المختلفة، بل لـه معرفته الخاصة التي لا تنفصل عن طريقته في التعبير. فهو يختلف عنها في بحثه عن الحقيقة وفي الحقيقة التي يبلغها وفي الطريقة التي تجسدها. إن وظيفته جمالية لا تنفصل فيها المتعة عن الفائدة. ولهذا يترك أثراً متميزاً لا يتركه غيره من العلوم والفنون.‏
وإذا كان رواد الشعر العربي الحر قد اتفقوا على أن الشعر ابتكار وخلق وإبداع فإنهم قد اختلفوا في استعمال المصطلحات الدالة على ذلك. فمنهم من استخدم مصطلح الخلق، ومنهم من استخدم مصطلح التعبير ومنهم من استخدم مصطلح الانعكاس. على أن معظمهم قد استخدم أكثر من مصطلح كأن يستخدم الخلق والتعبير أيضاً، أو الانعكاس والتعبير أيضاً. ومعنى ذلك أنهم لم يقفوا عند اصطلاح واحد وإن غلب مصطلح على آخر عند بعضهم على سواه. فقد طغى مصطلح الخلق على أدونيس أكثر من غيره وطغى مصطلح التعبير على عبد الصبور وطغى مصطلح الانعكاس على الحيدري. على أن استخدامهم لمصطلح التعبير يختلف عن استعمال الرومانسيين لـه لأنَّه يعني صياغة جديدة للمادة من خلال علاقة الذاتي بالموضوعي وليس تعبيراً مباشراً عن ذات المبدع في ذاتها. ومن ثمَّ تخلصوا من طغيان العاطفة التي طبعت الرومانسية وحققوا للشعر بعض موضوعيته. وهم يستخدمون مصطلح خلق على طريقه إليوت لاطريقة ملارمية إلا ما وقع فيه أدونيس أحياناً إذ يوحي السياق أن الخلق عنده من عدم. أمَّا بقية الشعراء فيؤكدون أن الخلق ينطلق من الموجود في اتجاه الرمز والأسطورة.‏
وكما اختلف هؤلاء في استعمال المصطلح المحدد لمفهوم الشعر اختلفوا في التركيز على الأسس المحددة لهذا المفهوم وإن اتفق بعضهم على هذه الأسس. فنازك تركز على الوزن من حيث هو مقياس أساسي في تحديد مفهوم الشعر إضافة إلى المجاز والعاطفة الشعري والجو الشعري. وهي وإن ذهبت إلى أن الشعر هو تفاعل العناصر المكونة للشعر أو طريقة التعبير إلا أنها ترى في الوزن الأساس الذي يعطي لكل العناصر شعريتها. وعلى الرغم من أن حجازي يختلف عن نازك في تركيزه على الأسس ذاتها، اللغة الشعرية والموسيقى والصورة فإنه يقتنع بأن الإيقاع الشعري الموزون هو ما يخلق اللغة الشعرية أو يعطي للشعر شعريته. ويتفق عبد الصبور وخليل حاوي والحيدري والسياب والبياتي على أهمية الإيقاع الشعري الموزون في الشعر واقتناعهم بأن اشعر لا يستقيم دونه. ويميز هؤلاء بين الإيقاع المفلت في النثر والإيقاع الموزون في الشعر على أنهم يذكرون الأسس الأخرى المحددة للشعر. فخليل حاوي يركز على الرؤيا التي تتجسد عن طريق الإيقاع والصور في فهمه للشعر. ويركز عبد الصبور على لب الشعر أو روح الشعر الذي لا يتجلى منفصلاً عن الإيقاع الشعري. أمَّا السياب فلا يتصور الشعر خارج الوزن وإن اهتم ببناء القصيدة والصورة ذلك أن القصيدة نظام متماسك وهو ما يتفق عليه رواد الشعر العربي الحر ويعد البياتي والحيدري الوزن أساساً لا يمكن للشعر أن يستقيم بغيره وإن لم يحصرا الوزن في البحور التقليدية إلى جانب اهتمامها بالتجربة بالدرجة الأولى. فالشعر تجربة وجودية عند البياتي وواقعية عند الحيدري وهما يركزان على علاقة الشعر بالواقع اكثر من تركيزهما على الأدوات الفنية. فالشعر عندهما مضمون بالدرجة الأولى وما الشكل الفني إلا امتداد له. على حين يثور أدونيس والخال على الواقع ويهتمان بفنية الشعر مقياساً للشعر. فالشعر عندهما تعبير جمالي أولاً بغض النظر عن مضمونه. فالشعر لا يتحدد عند أدونيس بفكريته ولكن بفنيته وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخال. على أنهما يحصران هذه الفنية في اللغة الشعرية دون الوزن أو الإيقاع الشعري الموزون، ويفهمان الإيقاع الشعري مفهوماً عاماً غير محدد. ومن ثمَّ يعتبران القصيدة النثرية شعراً. وهما بهذا يختلفان عن بقية رواد الشعر العربي الحر. وإذا كان الخال وأدونيس يتفقان في الثورة على المقاييس القديمة فإن الخال يبقى معتدلاً في ثورته هذه على حين نرى أدونيس يذهب إلى الثورة على ما يسمى مقياساً للشعر ويعبر الخروج عن المقاييس المألوفة هي المقياس في الشعر. وهو هنا يذكرنا بمقولة برنارد شو التي استندت إليها نازك في مقدمة ديوانها (شظايا ورماد) وهي أن القاعدة في الشعر هي اللاقاعدة. وإذا كانت نازك قد عادت إلى قيود الوزن والقافية بعد الثورة عليهما فإن أدونيس ظل مقياسه في الشعر الثورة على مختلف المقاييس. ومن ثمَّ أصبح الشعر تجريباً ومحاولة تجاوز للمألوف وتحولاً مستمراً لإثبات لـه. وهو يقول بالطريقة الشعرية أو التعبير الشعري مقياساً دون أن يرمي إلى أبعد من اللغة الشعرية ذاتها. وهكذا يدخل في الشعر ما ليس شعرا وتختفي الفروق بين الأجناس الأدبية عنده. فالشعر عنده يكون موزونا ويكون غير موزون بل إن الوزن مقياس النظم عنده وهو مقياس خارجي أمَّا الشعر فلا يخضع لوزن وإن كان لـه إيقاع. على أن أدونيس لا يميز بين الإيقاع الشعري والإيقاع النثري وإن كان يفرق بين الشعر والنثر الفكري. وهو لا يميز بين الشعر والنثر الفني وإن ادعى ذلك لأنَّه ينطلق من اللغة الشعرية. ومن ثمَّ فالشعر عنده واسع يشمل الكتابة الفنية في مقابل النثر العلمي.‏
على أنه لا بد من الإشارة في إطار تحديد مفهوم الشعر عند رواد الشعر العربي الحر إلى تحاملهم على النقاد العرب القدامى بخاصة لعدم تمكنهم من تكوين رؤية شاملة عن مقولاتهم إذ كثيرا ما انطلقوا من الجزء ليطلقوا أحكاما عامة على الناقد القديم، بل على النقد القديم. فقد ظلموا الجاحظ في قوله إن المعاني مطروحة في الطريق وأن العبرة بالصياغة إذ رأوا فيه إهمالا للمعنى الشعري، في حين أن الجاحظ يميز بين المعنى الأصلي والمعنى الشعري الذي يتشكل من خلال الصياغة. وهو يقصد بالمعاني المطروحة في الطريق المعاني العامة التي ينطلق منها الشعر ليخلق معانيه الخاصة. كما اخطأوا في إدراجه ضمن دعاة اللفظ انطلاقاً من اهتمامه بالصياغة إذ رأوا في ذلك شكلانية على حساب المعنى. وهذا يدل على عدم فهمهم لمصطلح الصياغة لأنها تشمل الشكل والمضمون معا. كما ظلموا قدامة بن جعفر في تركيزهم على الوزن دون الحدود الأخرى في تعريفه للشعر. فهو يذكر أن الشعر كلام وهذا يعني أنه استعمال خاص للغة وأنه موزون ومقفى وله معنى. فقد جمع حدوداً أربعة في تعريفه لم يقفوا عندها ووقفوا عند الوزن وحده وبخاصة أدونيس، علماً أن قدامة لا ينفي المجاز في تحديده للشعر. وهذه أحكام تدل على القراءة السريعة والجزئية والفهم السطحي أو سوء الفهم للمنقول.‏
وبعد فهذه محاولة تهدف إلى تحديد مفهوم الشعر عند رواد الشعر العربي من خلال ما توفر لدينا من مصادر ومراجع أردنا بها الإسهام في الكشف عن معرفة تفكير هؤلاء الشعراء في حل مشكلات الشعر وأسئلته المتعددة فيما يخص موضوعنا. وهي محاولة لا نزعم أننا أحطنا فيها بكل جوانب الموضوع وبلغنا الغاية، وإنما هو مجهود بذلناه مخلصين فيه ما وفقنا الله إلى ذلك غير مقصرّين، والله ولي التوفيق.‏

المزيد حول الموضوع