أنترنيت

إن ثورة التكنولوجيا الإلكترونية والاتصالات المعلوماتية المعاصرة قد أحدثت تطورات هائلة في جميع مفارق الحياة، أحدثت قفزات سريعة في استخداماتها، وبخاصة في مجالات الحاسب الآلي (الكمبيوتر) وبرمجياته، وشبكة المعلومات العالمية الساحرة (الإنترنت)، بما فيها من إبداعات جديدة، وابتكارات دقيقة، واستخدامات كبيرة بصورة مذهلة، مما جعل العالم في متناول الجميع متى شاءوا، وأينما كانوا، وكلهم ولع وشوق في الإطلاع على ما في الكون، والإفادة منه في التقدم الحياتي الباهر في شتى ميادين العلوم والثقافة والتربية والإعلام والاقتصاد والتجارة والصناعات والمؤسسات الإدارية والحكومات الإلكترونية.
وفي الحقيقة أن شبكة الإنترنت في جيلها الحاضر قد أصبح منبع العلوم وسجل الثقافات لا بل إنسيكلوبيديا العصر في ألفيته الثالثة، ومرجع جميع الناس في مختلف أعمارهم واختصاصاتهم، مما حدى بالعلماء من أن يقولوا أن شبكة الإنترنت هي بحق (مخ الكون) حيث أكد على ذلك الباحث المعاصر (هيلغني) في دراسته "أن المخ الكوكبي هو الذي نطلقه على الشبكة الذكية المستحدثة والتي تضم البشر جميعاً على ظهر الكوكب، هم وأجهزة الكومبيوتر وحلقات الاتصال التي تربط بعضهم ببعض، وتشبه هذه الشبكة (المخ الحقيقي) من حيث شدة التعقيد، وأنها منظمة ذاتية التنظيم تعالج المعلومات، وتتخذ القرارات، وتحل المشكلات، وتتعلم ارتباطات جديدة، وتكتشف أفكار جديدة، وسيقوم هذا المخ أو الشبكة بدور الجهاز العصبي الجمعي للبشرية كلها، ولن يتحكم فيها شخص أو تنظيم أو كمبيوتر، وإنما عمليات (الفكر) الخاصة بها ستنتشر لتصل إلى جميع العناصر"[2].
كما أن شبكة الإنترنت واستكشافاتها العصرية هي أكبر الوسائل اعتماداً هذه الأيام لما فيها من إمكانات واسعة يمكن الاستفادة منها، إذ أن عرض شاشاتها تأتي بصورة كافية تلبية لطلبات هائلة لا حد لها، إذ تتيح شبكة الإنترنت فرصاً نادرة على العديد من المعلومات المطلوبة خلال أوقات قصيرة جداً يتم خلالها نقل المستخدمين لها إلى عالم غني من المعلومات للموضوع المطلوب أو أكثر، كل هذا جعل الاتجاه العالمي ينحو نحو الاهتمام الكبير بالكمبيوتر والإنترنت، وبخاصة في مجال استراتيجيا التواصل مع عملية التطور التكنيكي، وعملية التقدم الاجتماعي، فأداء الإنترنت من حيث كونه صديق إلكتروني فهو الأنس الأفضل في استحصال المعلومات والأفكار والأخبار.
حقاً إن الكومبيوتر والإنترنت قد أحدث تقدماً علمياً عالمياً شاملاً، واستخداماً دقيقاً في البرمجيات والمواقع الإلكترونية (Websites)، والبريد السريع الإلكتروني (Electronic mail)، وفي خدمات التخاطب والمحاورة والدردشة (Chat and Voice Chat)، ونقل الملفات المعروفة بـ (FTP)،ومجموعات النقاش والتخاطب ما يعرف بـ (Nears Group) بالصوت والصورة، كل هذه الاستخدامات جعلت الإنترنت ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء عنها، وأصبح استثمار فوائده مطمح الجميع، وخاصة من قبل الشباب والفتيات، فهو بالنسبة لهم يشارك في شتى العمليات الثقافية والعلمية والتربوية والإخبارية والترفيهية البريئة في الأسرة والمدرسة وخارجها، والنوادي والمنتديات مما أحدث تأثيرا بالغاً في سلوك المراهقين والمراهقات (الفتيان والفتيات) عندما يكون مردوده إيجابياً وعلمياً وإعلامياً وثقافياً في تمكينهم في بناء الاتجاهات السلوكية المرغوبة.
أجل إن الإنترنت في عصرنا الحاضر مسألة حضارية رفيعة فهو لغتها الناطقة والمقروءة ووسيلة قوية في استثمار القدرة العقلية في أقصى إمكاناتها، والفكر الإنساني في أصفى معانيه في استيعاب الانفجار المعرفي الهائل لمواكبة حضارة القرن الحادي والعشرين في تنمية المجتمع وتطويره ليستمتع بحياة إنسانية كريمة، ولذا فقد أخذت المراكز العلمية والهيئات العلمية والمؤسسات التقنية، والاستكشافات الإلكترونية الدقيقة تولي كل اهتماماتها بتنويع أجهزة الكمبيوتر ونشر قدرة شبكة المعلومات العالمية في كل مكان لتلبية حاجات الإنسان المعاصر بسهولة ويسر.
وفي الحقيقة أن التواصل مع ثورة الاتصالات الإلكترونية في الخدمات الجليلة التي تقدمها البرمجيات الحديثة للكمبيوتر، والفوائد الكبيرة التي تقدمها شبكة الإنترنت قد تطرح جملة من الأسئلة، وكثير من المتطلبات الجديدة التي يصعب التحكم بها، والتآزر معها، ومما يدعونا إلى الفهم المبكر الواعي في السلبيات والإيجابيات الناشئة من استخدامها، وإنْ أحسن الاستخدام ومواصلة التوجيه والإرشاد في الإفادة العلمية والتربوية والخلقية لخدمات الشبكة، والإخلاص والدقة في التعامل معها، وهذا لا يتم إلا بالتأهيل العلمي لحسن الاستخدام، والتعليم المبكر ضمن معطيات ومفاهيم علمية منظمة مبنية على استراتيجيات علمية هادفة في التواصل الجاد للإفادة من ابتكارات الكمبيوتر والإنترنت في عالمنا المعاصر، وفي جميع مجالاته وحاجاته وبخاصة من قبل الشباب والفتيات الذين هم في أمس الحاجة إلى استخدامه والإفادة منه، وهم على أبواب التعليم والتأهيل والاختصاص في رحاب الجامعات، أو في وظائفهم الإدارية، ومما يلاحظ أيضاً أن سرعة انتشار استخدامات الكمبيوتر والإنترنت في العالم جعل العصر (عصر الإنترنت)، بحيث نجد أن انتشار الكمبيوتر في أمريكا قد وصل 70% وفي أوربا قد وصل إلى 50% وفي العالم العربي قد وصل إلى 5% بحلول عام 2003م[4].
هكذا تبقى شبكة الإنترنت أداة حيوية في نشر العلم، والتعاون العلمي، وتدعيم البحث العلمي ضمن مجتمع الأبحاث العلمية الرصينة العالمية، وأن قدرة الإنترنت على التمكين من حدوث التقدم في البحث العلمي الأساسي، وتوسيع التعليم بحيث أن الباحثين الأكاديميين والجامعيين والحكوميين هم شركاء أساسيين في تطوير الجيل القادم من الإنترنت. كما أن العلماء والمهندسين والأطباء والطلاب الذين يستخدمون الإنترنت كي يتعاونوا مع زملائهم في جميع أنحاء العالم لتشاطر معلومات وبيانات، وأجراء أبحاث أساسية، وتطوير تكنولوجيا في مجالات متنوعة في معالجة وتفاعل العوامل التقنية والاقتصادية والقانونية أن تزيد الإمكانية لأبحاث تعاونية بواسطة الإنترنت[6].
ولذا لابد من توعية مبكرة وتعليم مبكر لأبنائنا في جميع المراحل الدراسية، ومجالات الحياة الوظيفية المعاصرة والتنبيه المستمر في تجنب مساوئ سوء استخدام الإنترنت، وبخاصة في غرف مغلقة، ولساعات طويلة في البحث عن مواقع محظورة.
ثورة المعلومات، كما يؤكد العارفون وكما نلمسها يومياً .. نعمة معرفية. والانترنت ـ بما لا نقاش فيه ـ حضارة وعالم يختصر العالم في صندوق صغير، إنّه عدّة معلّمين في معلّم واحد وجملة وظائف في جهاز واحد.قديماً كان (الأُمِّيّ) هو الذي لا يعرف القراءة والكتابة. اليوم .. الأُمِّيّ هو الذي لا يعرف كيف يتعامل مع الكمبيوتر . المعلومات بالأمس .. غالية ومحدودة وبعيدة لا يمكن جمع شتاتها في آن واحد ومكان واحد .. بينما اليوم فهي رخيصة ومتاحة بوفرة ومجموعة في الزمان والمكان ولا تحتاج إلى أكثر من نقرة، العالم اليوم (نوافذ) يطل بعضها على بعض.فالتعلّم من خلال الحاسوب ( الكمبيوتر ( يحقق الغايات التربوية التالية: 1 ـ ينمِّي عادة التفكير الإيجابي والإبداعي وبأنماط وطرق مختلفة.2 ـ يعمِّق مفهوم المشاركة والتواصل مع الغير .3 ـ يساعد على قبول القضايا الخلافية.4 ـ يعين على التعلّم من خلال الخطأ والتجربة والمحتمل والمجهول.5 ـ يوفر فرصة التعلّم بــ ( الرمزيّات) و (المحسوسات) أيضاً.6 ـ يهيِّئ المتعلّم للعمل والتطبيق العمليّ، بل و (التعليم الاستكشافي .7 ـ يجعل المستخدم يستثمر أوقات فراغه إن شاء بشكل أفضل، وإن أراد بشكل سيِّئ . 8 ـ يساعد في تنشيط المهارات لدى المستخدم.9 ـ يحقق قدراً لا بأس به من الترفيه والترويح.10 ـ يمكنك من الوصول إلى مصادر المعرفة، وكيفية توظيفه.11 ـ يكسبك المرونة وسرعة التفكير وقابلية التنقل، وبالتالي فإنّه يعينك على تحقيق ذاتك.12 ـ يجيب على أسئلتك، ويفتح لك المجال لطرح الأسئلة.وبالدراسة ثبت أنّ الطالب الذي يعمل على الحاسب الآلي في البيت، أعلى في مستواه الثقافي من الطالب الذي ليس لديه حاسب آلي، وإنّ الوقت المنفق على الحاسب الآلي في البيت أكثر قيمة من الوقت الذي يمضيه الطالب مع نفس الجهاز في المدرسة. والآن، ماذا يمكن أن تتعلّم من هذا المعلّم الواسع العطاء؟ ببساطة .. كل شيء. فشبكة الانترنت أزاحت كلّ الأستار والحجب، ولا نقول قلّصت الممنوعات والمحرّمات، بل جعلتها من متناول اليد، ولم يعد الحفاظ على الأسرار شيئاً سهلاً، وتقلّص مفهوم الرقابة إلى أقصى حدّ، فإذا كان عدد الصور التي تلتقط للفرد (30) صورة يومياً ببركة الانترنيت، فإنّ مقولة: «إذا أردت أن تفشي سراً فأودعه حاسوباً) دقيقة) في التعبير عن هذه الحالة.إنّ القاعدة التي نعتمدها دائماً في التعامل مع شيء أو في رفض التعامل معه هو حساب (أرباحه) و)خسائره)، أو (محاسنه) و (مساوئه) فإذا رجحت الإيجابيات على السلبيات أخذنا به، والعكس صحيح .من إيجابيات ومحاسن هذا المعلّم الكبير، وهي كثيرة جدّاً:1 ـ يجعل المخترعات تتزايد بمتواليات هندسية، أي إنها تتفرّع وتتفرّع، مما يزيد في رقعة الإبداع والابتكار والاختيار.2 ـ لديه القدرة الهائلة على خزن ومعالجة البيانات، حيث يمكن ـ كما يقول الخبراء ـ اقتناء (دائرة المعارف البريطانية) بأكملها مسجلة على قرص لا يتجاوز نصف قطره البوصتين والنصف.3ـ ما يوفره من التزاوج بين (الاتصالات) و (المعلومات) وذلك من خلال حوار الحواسب أياً كان موقعها الجغرافي، وعبر الهاتف والبريد الالكتروني وبرامج المحادثة.4 ـ قدرته على الجمع بين (الصوت) و (الصورة) و (النصّ) و (الرقم) بشكل متكامل.5 ـ إمكاناته الواسعة في تزويدنا بنظم خبيرة في الطب والإدارة والتصنيع والمال والتسويق والتعليم والإعلام والترفيه .. الخ.6 ـ يوفّر فرصاً ـ لم تكن متصوّرة ـ لنشر الدين والقيم الإنسانية والأخلاق والفضائل.ومن مساوئ ومضار الانترنت:1ـ إدمان الجلوس بين يديه عنده لساعات طويلة بما يعطّل الكثير من أنشطة المستخدم الأخرى: العلمية والاجتماعية والعبادية والرياضية والإنتاجية.2 ـ الابتعاد عن الواقع المعاش بما ينتج عن تفكك الروابط والعلاقات المباشرة، والاستعاضة عنها بلقاءات الغرف الالكترونية.3 ـ الاستغراق في التعامل الآلي يهدّد بالخوف من إلغاء إنسانية الإنسان .4 ـ تسخيره في ترويج (العنف) والمشاركة فيه، و (الجنس) والتورط في مباذله.5 ـ طرحه لأفكار ضالّة ومضلّلة قد تشوّه وتشوش رؤية الشاب المسلم لإسلامه، ما لم يكن ذا خلفية ثقافية اسلامية متينة.فللإفادة من محاسن هذا (المعلّم) الذي جمع كلّ المعلمين بين جناحيه يمكن الأخذ بالتوصيات التالية:1 ـ ركِّز على الأشياء التي تعلّم التفكير، وتنمية مهارات الاستطلاع والتعلّم الذاتي.2 ـ تعلّم مشاريع وآفاق وبرمجة الحاسب الآلي كتوحيد النص والصوت والصورة والرسوم البيانية.3- وِّع مجالات معرفتك بجولاتك الالكترونية في حقول المعرفة المختلفة، وصب اهتمامك على ميلك أو اختصاصك أو ما ترغب بزيادة المعرفة بشأنه .. فالانترنيت أكبر مكتبة في العالم. وأوسع ورشة فيه أيضاً.4 ـ اغتنم خدمات الانترنيت سواء في البريد الالكتروني أو منتديات الحوار ومجموعات النقاش الالكترونية في الحوار وتبادل الآراء حول قضايانا الإسلامية والتي تهمّ الشباب تحديداً.5 ـ إنّ لذّة البحث عن الحقيقة لا يعدلها إلاّ لذّة العثور عليها، استكمل دراساتك من خلال الجامعة الالكترونية، أو عبر البحوث التي يوفر لك الانترنيت جميع مستلزماتها.6 ـ نمّ مهاراتك الفنية والعلمية والحرفية واللغوية. مما تتيحه لك خدمات الشبكة المعلوماتية في ذلك وفي غيره.7 ـ إذا اقتصرت على الألعاب الترفيهية فإنّ ما تتعلّمه هو التنسيق بين العين واليد فقط، أمّا الألعاب المخصّصة لتعليم المبادئ الأوّلية للسياقة مثلاً، أو ألعاب اللغات، بتعلم قواعد لغة ما، أو ألعاب الأرقام لتعلم العمليات الحسابية، أو الألعاب العملية التي تقدم بمساعدة مختصين كالألعاب الطبّية كجلسة مع طبيب تجري من خلال أسئلة وأجوبة، فهذه الألعاب تساعد في الإبداع والتعلّم الذاتي وتنمية عادة التفكير.وتذكّر أنّ الألعاب المستوردة قد تحمل في طياتها معلومات وأخلاقاً وعادات مخالفة لتعاليم دينك، فاختر منها ذات الطابع الانساني الذي يعلِّمك حبّ الخير، والتي تزيد في معلوماتك وتصقلها، والتي تكون ذات نزعة صديقة، أي التي توفّر فرص الفوز بشكل متكافئ.8 ـ استخدم اللغة العربية ما أمكنك ذلك خاصة من خلال المواقع الالكترونية العربية وحتى في برامج المحادثة، حفاظاً على سلامة لغتك واحتراماً لها ولقدرتها في التعبير عن مكنونات فكرك ونفسك.9ـ قاوم الإغراء بالذهاب إلى أماكن معينة كـ (المواقع الإباحية) واحذر الرسائل التي تريد أن توقعك بفخها .. ليكن مفتاح التحكّم والسيطرة بيدك، فالشيطان اليوم يوظّف الانترنيت أيضاً كوسيلة حديثة للإيقاع بالشبان والفتيات، وإذا انزلقت بخطوة، فستتبعها خطوات انزلاق أخرى .. فاغلق الباب من البداية وإلاّ سرقك الشيطان.فما يسمّى بـ (الحبّ الالكتروني) وحالات التعارف والاتفاق على الزواج من خلال مقاهي الانترنيت أو الغرف الخاصّة والدردشة لا يخلق ـ كما يتوهم البعض ـ تفكيراً مشتركاً إلاّ في حالة كان المتخاطبان في مدينة واحدة، وأمكن التعارف المباشر بينهما للتأكد من صحة المعلومات والمدعيات وإن كُنّا ننصح بأن يأتي الشبان البيوت من أبوابها لأن ذلك هو أسلم الطرق وأزكاها.10 ـ الدراسات الطبّية التي أجريت على أناس يتعاملون مع الكمبيوتر لفترات طويلة يومياً، كشفت أن ذلك يؤدِّي إلى:ـ إضعاف البصر.ـ زيادة الإرهاق النفسي.ـ ظهور بعض أمراض الحساسية.ـ يؤثر على انتظام الدورة الدموية، ودقات القلب.وينصح الأطباء بتحديد أوقات التعامل مع الحاسوب، مع أخذ استراحة في الهواء الطلق، وتحريك الجسم بما يكفل تحريك جميع عضلاته وفقراته. ونحن نفضِّل اعتماد القاعدة الاعتدالية التي تقول «خير الأمور أوسطها» فلا أيام معدودات في الأسبوع، والحاجة إلى الكمبيوتر والانترنت يوميّة، ولا الجلوس إليه بين ( 10 – 12 ) ساعة يومياً .







المزيد حول الموضوع