الأدلة على جواز استخدام أسلحة الدمار الشامل



تمهيد:
ذكرت في المبحث السابق أن الأصل هو الإحسان في القتل، ومن ذلك قتل الكفار، وهذا لا يكون إلا عند القدرة على ذلك، ولكن قد يكون الكفار في حال لا يمكن معه أن يقاوموا ويدفعوا عن بلاد الإسلام ويكف شرهم عن المسلمين إلا بأن يقصفوا بما يسمى بأسلحة الدمار الشامل على نحو ما يقرره أهل الخبرة والجهاد؛ فإذا رأى أهل الحل والعقد من المجاهدين بأن شر الكفار لا يندفع إلا بها جاز استعمالها، وأسلحة الدمار الشامل ستقتل كل من تقع عليه من الكفار سواء كانوا من المقاتلين، أو من النساء والصبيان، وستقوم بتدمير وحرق الأرض، والأدلة على جواز ذلك في هذه الحالة كثيرة، وهي على قسمين:
القسم الأول: أدلة خاصة لعصر معين ولعدو معين:
وذلك مثل حال أمريكا في هذا الزمن؛ فإن مسألة ضربها بهذه الأسلحة جائز بدون ذكر أدلة القسم الثاني التالية (أدلة المشروعية العامة)؛ لأن الله سبحانه يقول (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)، ويقول تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، ويقول تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، والناظر في اعتداءات أمريكا على المسلمين وأراضيهم خلال العقود الماضية يخلص إلى جواز ذلك بالاستناد إلى باب (المعاملة بالمثل) فقط؛ بدون حاجة إلى ذكر الأدلة الأخرى، وقد جمع بعض الإخوة عدد قتلاهم من المسلمين بأسلحتهم المباشرة وغير المباشرة فوصل العدد إلى قريب من عشرة ملايين، وأما الأراضي التي أحرقتها قنابلهم ومتفجراتهم وصواريخهم فلا يحصيها إلا الله، وآخر ما عايناه ما حصل في أفغانستان والعراق، وهذا غير ما سببت حروبهم على كثير من المسلمين من التشرد، فلو ألقيت عليهم قنبلة تهلك منهم عشرة ملايين، وتحرق من أراضيهم قدر ما أحرقوا من أراضي المسلمين كان هذا جائزا بلا حاجة إلى ذكر أي دليل آخر، وإنما الأدلة الأخرى قد نحتاجها لو أردنا أن نهلك منهم أكثر من هذا العدد!!
القسم الثاني: أدلة عامة لمشروعية هذا العمل مطلقاً إذا اقتضاه الجهاد في سبيل الله:
وهي النصوص التي تدل على جواز استخدام مثل هذه الأسلحة إذا رأى أهل الجهاد المصلحة في استعمالها، والأدلة على ذلك كثيرة وسأذكر منها ثلاثة:
الدليل الأول: النصوص التي تدل على جواز تبييت المشركين ولو أصيبت ذراريهم:
ومنها ما في الصحيحين عن الصعب بن جثامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ فقال: (هم منهم).
وما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم فقتل المقاتلة وسبى الذرية).
ومنها: ما رواه أحمد وأبو داود من حديث سلمة بن الأكوع قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا أبا بكر رضي الله عنه فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أمت، أمت، قال سلمة: فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين)[i].
وقد ثبت مع ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان[ii].
ولكن إذا جمعت بين هذه الأحاديث ظهر لك أن المنهي عنه قصدهم بالقتل، أما إذا كان قتلهم تبعا كحال البيات والإغارة وعند عدم التمكن من تمييزهم فلا بأس بذلك، فلا يعطل الجهاد من أجل وجود نساء وصبيان الكفار.
الدليل الثاني: النصوص التي تدل على جواز حرق بلاد العدو، ومنها:
ما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع"، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله)، وقد جاء في بعض الروايات عند الشيخين أن اسم الأرض المحروقة (البويرة) وفيها يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
فهان على سراة بني لؤي             حريق بالبويرة مستطير
ومنها: ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أرض يقال لها أبنى - وقيل: يبنى - فقال: (أئتها صباحاً ثم حرّق)، وفي سنده نظر[iii].
والحديث الأول من الأصول التي دلت على جواز التحريق في أرض العدو، وقد بوّب البخاري رحمه الله على هذا الحديث بقوله (باب حرق الدور والنخيل)، وبوّب عامة من أخرجه من أهل الحديث عليه بنحو هذا[iv].
وقال الترمذي رحمه الله بعد روايته لهذا الحديث: (وهذا حديث حسن صحيح، وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا؛ ولم يروا بأسا بقطع الأشجار وتخريب الحصون، وكره بعضهم ذلك وهو قول الأوزاعي؛ قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق يزيد أن يقطع شجرا مثمرا أو يخرب عامرا، وعمل بذلك المسلمون بعده[v]، وقال الشافعي: لا بأس
بالتحريق في أرض العدو وقطع الأشجار والثمار، وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بدا فأما بالعبث فلا تحرق، وقال إسحاق: التحريق سنة إذا كان أنكى فيهم) اهـ.
الدليل الثالث: النصوص التي تدل على جواز ضرب الأعداء بالمنجنيق ونحوها مما يعم الهلاك به؛ ومنها:
ما رواه أبو داود في المراسيل وغيره مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب على أهل الطائف المنجنيق [vi].
وما رواه البيهقي وغيره أن عمرو بن العاص رضي الله عنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية.
وما رواه البيهقي أيضاً عن يزيد بن أبي حبيب رحمه الله - في فتح قيسارية - قال: (فكانوا يرمونها في كل يوم بستين منجنيقا)، وذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وجرى أمر المسلمين في مغازيهم على هذا، فروى سعيد بن منصور عن صفوان بن عمرو: أن جنادة بن أبى أمية الأزدي وعبد الله بن قيس الفزاري وغيرهما من ولاة البحر ومن بعدهم - وكانوا على عهد معاوية رضي الله عنه - كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار، ويحرقونهم، هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء، قال: (لم يزل أمر المسلمين على ذلك).
وروى سعيد بن منصور عن علقمة أيضاً أنهم غزو على عهد معاوية وكانوا يرمون بالمنجنيق في غزوتهم.
وقد اتفق أهل العلم على جواز رمي العدو بالمنجنيق ونحوه في الجملة.
ومن المعلوم أن حجر المنجنيق لا يميز بين النساء والذرية وغيرهم، كما أنه يدمر ما يأتي عليه من بناء أو غيره.
فدل هذا على أن أصل تدمير بلاد الكفار وقتلهم - إذا اقتضاه الجهاد ورآه أهل الحل والعقد من المجاهدين - مشروع؛ فإن المسلمين كانوا يضربون تلك البلاد بالمجانيق حتى تفتح، ولم يرد عنهم أنهم كفوا خوفاً من استئصال الكفار، أو خشية تدمير بلادهم، والله تعالى أعلم.








المزيد حول الموضوع