العقلانية العلمية



العقلانية العلمية:

عُرِّفت العقلانية كاتجاه فلسفي يؤكد على أولوية العقل في إنتاج المعرفة اليقينية، دون حاجته إلى التجربة الحسية التي غالبا ما تكون وهمية زائفة. والحديث عن العقلانية العلمية، يدفعنا بالضرورة إلى التمييز بين تصورين لهذه العقلانية، أحدهما يقوم على أسس عقلانية كلاسيكية تتميز بالثبات والانغلاق، والآخر يقوم على أسس عقلانية معاصرة قوامها الانفتاح والتغير. أي إنما هو الحديث في أصله، عن العلاقة بين ما هو عقلي يعتمد على التماسك الداخلي للعقل، وما هو واقعي يعتمد على الملاحظة الدقيقة والتجارب في بناء النظريات العلمية. انه إذن حوار بين العقل والتجربة.
بين
العقل و التجربة ، بين الانسجام المنطقي الداخلي للنظرية ومطابقتها للواقع تمتد المسافة المعبرة عن إشكالية أساس العقلانية العلمية. فإذا كان العقل هو أداة بناء النظرية، فإن الواقع هو موضوعها. وإذن ما أساس العقلانية العلمية ؟ هل هو العقل ، أم التجربة، أم حوار بين العقل والتجربة؟وما هي المراحل التي قطعتها المعرفة العلمية والقطائع التي مرت بها؟ وما هو مفهوم العقل في التصور العلمي الحديث؟ هل للعقل محتوى سابق كما أكد على دلك التصور الكلاسيكي أم ليس إلا فعالية و نشاط بدون أي محتوى سابق؟ وهل هو عقل خارج التاريخ أم ينطبع بسمات كل مرحلة تاريخية وكل عصر...؟
ماهي الأسس التي تقوم عليها النظريات العلمية؟ وبالتالي ماهي التحولات التي طالت العقل والعقلانية العلمية؟ وأخيرا كيف تتحدد العقلانية العلمية بين المعرفة العلمية والكلاسيكية والمعرفة العلمية المعاصرة ؟ لقد شكل هذا السؤال مثار جدل ابستيمولوجي بين الأطروحات   و التصورات الابستيمولوجية المختلفة .
نص جان بيير فرنان 
قيمة النص:
لقد عرفت العلوم ومعها العقل البشري تطورا هاما وجذريا مع أواخر القرن 19 وبداية القرن 20، مثال ذلك ظهور المنهج الاكسيوماتيكي في الرياضيات عقب ظهور الهندسات اللاأقليدية ،ونظرية المجموعات، وفي ميدان الفيزياء ظهور نظرية كوانطوم للطاقة مع ماكس بلانك ثم اكتشاف عالم الذرة بجزئياته المتناهية في الصغر.... وهذا التطور في ميدان الرياضيات أو الفيزياء كانت له انعكاسات على العقل البشري وطريقة تفكيره والمفاهيم التي كان يعتقد بها  من قبل وكذا تصوره الخاص عن العالم الخارجي وطبيعة المادة ... الشيء الذي أدى لحدوث قطيعة ابيستمولوجية في التفكير العلمي المعاصر حيث تم تجاوز الطرق الكلاسيكية في التفكير والبحث.
استنتاج:
يتميز العقل عند ج بيير فرنان بكونه ظاهرة بشرية خالصة، يخضع في تطوره وتحوله لشروط التاريخ، فتقنياته تتغير بتغيير الموضوعات وتتباين بحسب اللغة التي يستعلمها (عادية، رمزية)، مما يضفي عليه ميزة  خاصة في الأشكال التي يعتمدها في الاستدلال والبرهان والتفنيد. ليخلص في الأخير إلى أن العقل محايد للتاريخ البشري بجميع مستوياته، وبالتالي لا يمكن القول بوجود عقل ثابت ومطلق، بل إن العقل نسبي متغير، وأكثر من هذا فهو يناقش ويناقض العقلانية العلمية المعاصرة، والجدال القائم اليوم خير دليل على حيوية الفكر العقلاني وتقدمه .

* ينطلق " جون بيير فرنان " من مساءلة طبيعة العقل وأصوله ، إذ يعتبره ظاهرة بشرية ومن ثم فهو خاضع في تطوره للشروط التاريخية، إن العقل إذن مقحم في التاريخ فهو لا يقع على هامش التاريخ بل هو مرتبط بالسيرورة التاريخية والتحولات التي تلحق مسار المعرفة العلمية . وفي هذا الإطار نجد " جون بيير فرنان " يحدد لنا طبيعة العقل بين العقلانية الكلاسيكية والعقلانية المعاصرة . تتحدد طبيعة العقل في العلم الكلاسيكي باعتباره بنية قبلية ثابتة فهو إذن جوهر متعال مطبوع بالصرامة والثبات والانغلاق، ولعل هذا ما يمكن أن نلمسه في العقلانية الكلاسيكية التي كانت تنهض على مفاهيم مثل الثبات، الصرامة، الاطلاقية، والانغلاق . لقد أصبح العقل المعاصر يعبر عن الروح العلمية المعاصرة التي شكلت قطيعة ابستيمولوجية مع التقنيات والمطلقات الكلاسيكية . فالعقلانية المعاصرة أصبحت أكثر انفتاحا ومرونة ونسبية الشيء الذي جعل العقل المعاصر يتشبع بهذه الروح العلمية المعاصرة .

نص محمد أركون،
* في ذات السياق يندرج تصور المفكر " محمد أركون " ضمن سياق النقاش   الابستيمولوجي المرتبط بتطور العقل وانتقاله من عقل كلاسيكي منغلق إلى عقل معاصر منفتح .
-   قيمة النص:
لقد عرف مبحث المعرفة وطرق التفكير ونماذج القول الخاصة بها تطورا هاما، بدءا من المعرفة الأسطورية والمعرفة ثم الدينية القائمة على التفسيرات الميتافيزيقية المفارقة للعالم، وصولا إلى المعرفة العلمية بمختلف تخصصاتها كالرياضيات والفيزياء والبيولوجيا وعلوم الإنسان (علم الاجتماع، علم النفس...)، والأسس والمبادئ التي تقوم عليها هذه المعرفة، ثم قيمة هذه المعرفة ومدى قدرة العقل الإنساني على الكشف عن الحقيقة الموضوعية للواقع الذي يدرسه، وكذا ميكانيزمات العقل البشري ودوره في تطور المعرفة العلمية وكيفية انتقاله من التفسيرات الميتافيزيقية إلى التفسيرات العقلية المطلقة والثابتة وصولا إلى العقل العلمي المعاصر المتشبع بروح النقد والتقدم.
-   استنتاج:
لقد حاول محمد أركون من خلال هذا النص رصد التطور الذي لحق العقل الاوربي انطلاقا من العقل القروسطوي اللاهوتي، ومرورا بالعقل الحديث الكلاسيكي- مع كل من ديكارت وليبنيز- المنغلق على ذاته والمؤمن بالحقائق الكلية، ووصولا إلى العقل النسبي أو النقدي كعقل نسبي متغير ومتطور مع الفكر الفلسفي المعاصر.


يميز " أركون "   داخل سيرورة   العقل الغربي بين 3 مراحل وهي مرحلة القرون الوسطى   والمرحلة الحديثة أو الكلاسيكية ثم المرحلة المعاصرة . ففي القرون الوسطى كان العقل الغربي لاهوتيا، إذ كان آباء الكنيسة يحتكرون المعرفة الفلسفية أو العلمية أو الدينية، وكانوا يطبعونها بطابع ديني لاهوتي يعبر عن تعاليم الكنيسة إلا أن العقل في الأزمنة الحديثة قد بدأ   يتحرر من   سلطة الكنيسة و رجال الدين . وهكذا عرف العقل تحولا في مساره وفي منطقه و أسسه وهذا ما مثله فلاسفة محدثون كديكارت و اسبينوزا   بحيث خلصوا العقل من طبيعته اللاهوتية .   
3)أطروحة أولمو.
يقر الإبستيمولوجي و عالم الفيزياء الفرنسي أولمو أن القرن الثامن عشر شهد حلول العقلانية النقدية الكانطية محل العقلانية الديكارتية. فإذا كانت عقلانية ديكارت الذاتية و عقلانية كانط النقدية تشتركان في وجود مضمون للعقل، تمثله البديهيات العقلية عند ديكارت (ما يظهر للعقل واضحا و يقينيا)، و مقولات العقل عند كانط (الكم-الكيف-المكان-الزمان...) فإن العقلانية المعاصرة لا تعترف بالعقل كمجموعة من المبادئ (المضمون)، ترى فيه "القدرة على القيام بعمليات تبعا لقواعد... إنه أساسا نشاط و فعالية".
* في هذا السياق ينخرط " أولمو " الذي يميز بين أسس العقلانية الكلاسيكية والعقلانية المعاصرة فبالرغم من الشك الديكارتي والنقد الكانطي ظل العقل الكلاسيكي عقلا ثابتا   مطلقا يقينيا لا ينمو ولا يتطور انه جوهر متعالي أو بنية فكرية قبلية، بخلاف ذلك عرف العقل في العقلانية المعاصرة تحولا في طبيعته جعله عقلا متطورا دينامكيا نشيطا وفعالا، انه عقل يعبر عن النشاط والفعالية المرتبطة بالممارسة الإنسانية .

نستنتج أنه لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي يلعبه التجريب في بناء النظريات والقوانين والمبادئ والمناهج، كما لا يمكن كذلك إنكار مساهمة العقل في نشأة وتقدم العلوم من جهة، ودوره في تفسير مختلف ظواهر الكون وسبر أغوارها من جهة أخرى، وعلى هذا الأساس فإنه لكل من العقل والتجربة موقع ووظيفة لا يمكن تجاوزهما، فالأول يمنح المعرفة العلمية تناسقها وانسجامها، والثانية تسمح بتحقيق نوع من التناسب مع ما تم استنتاجه

المزيد حول الموضوع