الأمية



مقدمة الباب الأول:
الأمية وحل تغوص فيها قدما التقدم! ونذير شؤم على المجتمع الذي يعانيه، وآفة تحتاج لعلاج وعلاج ناجع  كي يزال هذا الحاجز عن عجلة التقدم والتنمية، التي زاد تسارعها في عالم يمسي على علم ويصبح على علم، وأنا في هذا الباب أحاول التعرف على أصول هذه الكلمة وجذورها، لأكون قاعدة أنطلق منها لمعرفتها ، ومعرفة مسبباتها وأثرها.
التعريف اللغوي للأمية:
الأمي : الذي لا يكتب، قال الزجاج: الأمي الذي على خلقة الأمة ، لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته، وفي الكتاب العزيز " ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني" قال أبو إسحاق|: معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه ، لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نسب إلى ما ولدته عليه أمه من جهل بكل شيء، وفي الحديث: نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، أي أنهم على أصل ولادة أمهم لهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، وفي الحديث أيضا: بعثت إلى أمة أمية لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة؛ ومنه قوله تعالى " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم".
التعريف الاصطلاحي للأمية:
في تعريف اليونسكو سنة 1958 الأمي هو الشخص الذي لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب أو يفهم عبارة قصيرة وبسيطة عن حياته اليومية.
وفي تعريف آخر: الذي يعجز عن التواصل مع غيره خارج الخطاب الشفهي.
إلا أننا هنا نشير إلى أن تعريف الأمية يختلف باختلاف ارتباطها، وارتباطها يختلف باختلاف الحاجات، فهناك الأمية الأبجدية وهي الحد الأدنى للأمية، والأمية الحضارية، وما يتبعها من أنواع متعددة منها على سبيل المثال: الأمية الحاسوبية، والأمية التكنولوجية، وغير ذلك ..، وهذا يضعنا ويضعا دول العالم وخصوصا النامية منها أمام تحد كبير متشعب، يحتاج لمزيد من الجهد المضاعف المعزز بالإمكانات باختلاف صورها، وهو ما ترزح هذه الدول تحت ضغطه وما تتخبط في آثاره وأضراره.
مسببات الأمية:
ذكرت في مقدمة بحثي أني لن أقف طويلا حول من السبب ومن النتيجة، لأنها أسئلة عقيمة لا تؤدي بنا إلى نتيجة ؟أكثر من أننا ندور في حلقة مفرغة : لكن لعلي وبإيجاز أن أسوق بعض الأسباب التي أدت بدورها إلى وجود الأمية، وأدت الأمية بها إلى التفاقم والتضخم. والبعض  وهي:
1-                   "الجهل بقيمة العلم" ولعل هذا السبب قد تقلص كثيرا خصوصا في عصرنا الحاضر، لما طرأ من تغيرات تثبت أنه لا توافق وانسجام مع معطيات العصر الحديث إلا بالتعلم.
2-                                              عدم توفر الإمكانات والموارد على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع أيضا، ما يسهم في تقليل الفرص.
3-                   عدم وجود ديمقراطية في التعليم؛ ما يسوق إلى اختزال العلم لفئة معينة لها سمات تميزها عن غيرها سواء كانت مميزات مادية أو معنوية.
4-                                              غياب السياسات الصحيحة والمواقف الجيدة والداعمة لعملية التعليم.
5-                                              غياب إلزامية التعليم.
إلى غير ذلك من الأسباب التي لا يتسع المجال هنا لذكرها، لأنها متشعبة بقدر تشعب نتيجتها وهي الأمية.

مقدمة الباب الثاني:
تعد الأمية  والفقر من الآفات الخطيرة التي تفتك بالمجتمعات، فتعرقل مسيرتها وتؤخرها عن اللحاق بركب التطور والتقدم الذي تفرضه متغيرات العصر، وسواء كانت الأمية والفقر سببا أو مسببا فهما يصبان في بوتقة الخنوع والتخلف، ويدوران في حلقة مفرغة تبدأ بمشاكل وتعود إليها ، ولعلي في بحثي هذا أتجاوز السؤال القائل هل الأمية تقود إلى الفقر أم الفقر يقود إلى الأمية؟ لعلمي الشديد ويقيني أن هذا التساؤل لن يسوقني لأكثر من دهاليز يقود كل مخرج فيها إلى مدخل للآخر. لكني ومن خلال هذه الدراسة أريد التعرف على مدى الترابط بين هاتين الظاهرتين، والطريقة الناجعة في سبيل الحد منها ومحاربتها، لأنها باتت تنحى منحى تشكيل السمة لمجتمع أخذ حيزاً مشرقا في التاريخ ، وحيزا  كبيرا في المساحة.
الأمية في العالم:
تعد الأمية مشكلة عالمية، تنهج كل دولة نهجها في مقاومتها والقضاء عليها، وتتفاوت النسبة في قدرة هذه الدول على مواجهة هذا التحدي، لعوامل عدة تدخل ضمن عملية المكافحة ، وأنا هنا لست بصدد التعرض لها لأن بحثي يدور بشكل عام حول العالم العربي فقط، لكني أشير إلى بعض الإحصائيات التي وردت محددة نسب الأمية في بعض دول العالم من عام 1970م إلى نظرة استشرافية لعام 2015 وفق ما ورد في بعض التقارير الصادرة عن اليونيسيف والبنك الدولي للتنمية.  " انظر الجدول في الملاحق"
الأمية في العالم العربي:
"قالت المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة )إليكسو( إن عدد الأميين في العالم العربي سيبلغ حوالي 70 مليون شخص بين الفئات العمرية التي تزيد عن 15 عاما, أي بنسبة 35.6% وسطيا. وأفاد تقرير داخلي للمنظمة بأن هذه الظاهرة تشمل كل المنطقة العربية لكنها تشمل خصوصا سكان البلدان ذات الكثافة السكانية العالية لا سيما مصر والسودان والجزائر والمغرب واليمن. أما "البلدان الصغيرة" مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت إضافة إلى الفلسطينيين فهي الأوفر حظا بين الدول الـ21 الأعضاء في الإليكسو. ومع أن نسب الأمية تميل إلى التراجع عموما فإن عدد الأميين إجمالا يستمر في التزايد إذ ارتفع من خمسين مليونا (73%) في 1970 إلى 61 مليونا في 1990 (48.7%) بينما يتوقع أن يصل إلى سبعين مليونا هذا العام.
وتسعى المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة التابعة لجامعة الدول العربية ومقرها في تونس إلى محو الأمية من خلال العديد من البرامج والإستراتيجيات في هذا المجال"  http://www.adabatfal.com/arabic/modules.
وقد حذرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الالكسو) من "خطورة ظاهرة الأمية التي لا تزال متفشية" في العالم العربي في وقت تعتبر فيه المعرفة "مفتاح التقدم احد مؤشرات النمو الاقتصادي والاجتماعي.
واعتبرت إن "الاعداد المطلقة للاميين في البلاد العربية والتي اصبحت تناهز السبعين مليون شخص تبعث على القلق وتدعو إلى النظر للمشكلة بجدية وحزم اكثر".
واكدت "انه بالرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها الدول العربية لمحو الأمية منذ منتصف القرن الماضي، لا يزال عدد الاميين في تزايد مستمر".
إن "البيانات الاحصائية (...) حول واقع الأمية في البلاد العربية تشير إلى إن معدل الأمية سيصل إلى 35.6% هذا العام مقارنة بمعدل للامية في العالم لن يتجاوز 18%".
ويتركز "الحجم الكبير للامية في خمس دول ذات كثافة سكانية مرتفعة وهي مصر والسودان والجزائر والمغرب واليمن التي تضم 48 مليون أميا بينهم 17 مليونا في مصر وحدها" وفقا للبيان.
يوجد في العالم اليوم ما يقرب من 900 مليون شخص أمي.. أي أن هناك شخصا من بين خمسة أشخاص راشدين لا يزال يجهل القراءة والكتابة على مستوى العالم، وتشكل المرأة ثلثي هذا العدد، وبالرغم من إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل نصف قرن من الزمان بأن لكل شخص الحق في الحصول على التعليم، وبالرغم من احتفال العالم باليوم الدولي لمحو الأمية في 8 سبتمبر من كل عام لما يقرب الآن من أربعة عقود، فإنه ما زال أكثر من 860 مليونا من الكبار أميين، وأكثر من مائة مليون طفل لا يحظون بفرصة الالتحاق بالمدارس، علاوة على ذلك ثمة أعداد لا تحصى من الأطفال والشباب والكبار الذين يلتحقون بالمدارس أو غيرها من البرامج التعليمية، ولا يبلغون المستوى المطلوب لكي يعتبروا من المتعلمين.
ويشير تقرير اليونيسيف حول وضع الطفل والمرأة في الوطن العربي أن كل دول المنطقة باستثناء المغرب والسودان واليمن نجحت في تعميم إكمال التعليم الابتدائي لما لا يقل عن 80% من الأطفال، وتوصلت 10 دول إلى نسبة 95% أو أكثر وهي الجزائر، البحرين، الأردن، الكويت، لبنان، عمان، المملكة العربية السعودية، سورية، الإمارات العربية المتحدة وفلسطين، وتخطت نسب الالتحاق الصافية بالتعليم الابتدائي في معظم بلدان المنطقة 90%، ولكن ما تزال النسبة في دول أخرى مثل السودان وجيبوتي دون الـ50%. ولم تتوصل أي من دول المنطقة إلى خفض معدل الأمية بين الكبار إلى نسبة 50 %، علماً أن معظم الدول سجلت تقدماً في النسب تراوح بين 20 و49%، وكانت البحرين والكويت قريبتين جدًّا إلى تحقيق هذا الهدف.
أما فيما يخص محو الأمية لدى الإناث فلا توجد نتائج إيجابية مماثلة، وما تزال هذه النسب تتجاوز 25% في 12 دولة من دول المنطقة، لتصل إلى 50% في كل من المغرب، السودان، جيبوتي واليمن. ونلحظ انخفاضاً في نسبة أمية الإناث يصل إلى حوالي 50% في كل من البحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر وعمان.
"ولمعرفة الوضع أكثر يجب رصد الخلافات والفروق بين الدول العربية في مجال محو الأمية من خلال تقارير منظمة ألاسكواش (المنظمة العربية لدول غرب آسيا 2003)، والتي تشير تقاريرها إلى .
الدولة/السنة
نسبة الأمية للفئة العمرية  15 سنة وما فوق
الإناث
الذكور
ملاحظات
فلسطين 1997
20%
7.8%
وخلال العام الدراسي 2001/ 2002 كانت نسبة التسرب لدى الذكور أعلى مما هي عليه لدى الإناث في مرحلة التعليم الأساسي
اليمن 2001/2002
70%
33%
وينقطع عدد كبير من الفتيات عن الدراسة بعد السنة السادسة من المرحلة الابتدائية عند بلوغهن الثانية عشرة.
سوريا 2002
26%
9%

الأردن 2002
15.2%
5.4%

العلاقة بين الأمية والفقر في العالم العربي:
    لعلنا مما سبق نصل إلى علاقة وثيقة بين الفقر والأمية في العالم العربي، ولو عدنا إلى الإحصاءات السابقة لوجدنا أن الدول ذات النسب العالية في الأمية ذات مستوى دخل متدني ،وإمكانات قليلة أو عدم مستغلة بشكل جيد ، وبالتالي فإن صرفها على التعليم لا يرقى ويرتقي إلى المطلوب، ففي اليمن مثلا تكشف التقارير عن تزايد معد الأمية بشكل مقلق لدرجة وصولها إلى 72% نظرا لقلة كفاءة المؤسسات التعليمية وبنيتها التحتية الناتجة عن الفقر، ولو نظرنا لمستوى الدخل في اليمن سنجد أنه في عام 2001 كشفت تقارير دولية أن متوسط دخل الفرد اليمني ما بين 25-35دولار وهو مستوى متدن جدا، وقد أكد تقرير حكومي صدر مؤخراً أن أكثر من مليوني طفل خارج المدرسة وأن الأمية تطال في اليمن 5 ملايين طفل في سن 15 سنة. وقال التقرير إن ظاهرة الأمية تتفشى بين الأطفال إلى حد مقلق حيث يزداد معدل الأطفال الأميين من (4.6) ملايين إلى (5.1) ملايين طفل خلال السنوات الخمس الماضية فقط. وعزا التقرير الصادر عن المجلس الأعلى لتخطيط التعليم تفشي ظاهرة الأمية وسط الأطفال إلى أسباب تتعلق بضعف البنى المؤسسية القائمة على هذا النوع من التعليم. إضافة إلى محدودية الإمكانات والموارد الاقتصادية للدولة.
وأضاف التقرير أن من أسباب تزايد ظاهرة الأمية في اليمن تزايد الطلب الاجتماعي للخدمات الأساسية، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد نمواً سكانياً مرتفعاً، فضلاً عن تشتت السكان في تجمعات صغيرة متناثرة في مناطق ريفية صعبة التضاريس وفي موريتانيا تصل نسبة الأمية تقريبا إلى 60% وكنا قد تحدثنا عن المستوى الاقتصادي المتدني لموريتانيا في الفصل الأول من هذا البحث، وكذلك العراق ما يقارب 60% نظرا لما تمر به من أزمات متفاقمة بدءا من حرب الخليج الثانية عام 91إى يومنا هذا. ومصر ما يقارب 44% وهكذا بتتبعنا لمعدلات الأمية و مستويات الدول الاقتصادية نجد علاقة طردية بين الفقر والأمية.
إن الوضع الآن في العالم العربي وضع مخيف، لما يتداعى عليه من المشكلات من كل صوب، وما أسهمت العوامل المتسارعة عليه من حروب وتدهور اقتصادي أدت جميعها إلى معضلات وتعقيدات يصعب الخروج منها

ويأتي في قمتها الأمية والفقر، وحرمان الإنسان العربي حتى من أبسط حقوقه المعيشية والتعليمية في الحياة . إلا أنه وبالرغم من كل هذا فما زالت معظم المجتمعات تتبجح بنسب لا تصور حجم المشكلة، ولا تمس واقعها، وهي بهذا تمسك بالزمام إلى الهاوية.
إنا أذا أردنا النهوض من هذا الخنوع فلابد علينا الاعتراف بمثالبنا وتحديد مواردنا وقدرتنا والسعي على حسن استغلالها والعمل على وحدة الجهود وتوحد الآراء ، والأخذ بما نظرنا له، لأنه ناجع ومفيد إذا أحسنا استغلاله، والتحرر من التقوقع على المؤتمرات التي ينتهي أمدها بختامها، والاستراتيجيات التي تزين المؤلفات، وتشكو تجاهلها، والنظر إلى أن أعطاء الإنسان حقه هو التمدن والتحضر الذي يقود المجتمع إلى مصاف الدول المبادرة لا الدول التابعة.

المزيد حول الموضوع