التفاعل الحضاري بين الأمم :

التفاعل الحضاري بين الأمم :
ويقصد به: أن الحضارة المعاصرة هي نتيجة حتمية لتراكم معرفي وعلمي واجتماعي متواصل منذ بدء الخليقة وإلى اليوم .
وإذا أمعنا النظر في الحضارة الإسلامية فإننا نجدها قد قامت على أساس التفاعل الحضاري ، وهي بذلك تعتمد ثقافة الحوار والتواصل حيث أخذت عن الحضارات السابقة واقتبست من ثقافة الأمم والشعوب التي احتكت بها وصهرت جميع ذلك في بوتقة الإسلام فكانت حضارة إنسانية لها أثر كبير في نقل روح المدنية إلى جميع الشعوب التي تفاعلت معها ، وهو الأمر الذي يعترف به معظم الكتاب والمفكرين الأوربيين الذين تخلصوا من التعصب المقيت وكتبوا بإنصاف عن تاريخها ، حيث يرون أن الحضارة الإسلامية احتفظت بمركزالصدارة منذ أوائل العصور الوسطى ليس في الشرق فحسب بل في الغرب أيضا ، إذ نمت الحضارة الغربية في ظل الحضارة الإسلامية التي كانت أكثر رقيا منها وقتئذ18.
ولاشك أن قاعدة التسـامح التي يقوم عليها الإسـلام هي التي فتحت أمام الأمة الإسلامية السبيل إلى الاحتكاك بالأمم والشعوب ، وشجعت المسلمين على التفاعل مع الحضارات والثقافات الأخرى ، حيث كان الإسلام بذلك أرقى الأديان في تحقيق مبدأ التسامح الذي هو القاعدة الأساسية للتفاعل الحضاري19.
ويستند التفاعل الحضاري في مفهوم الإسلام إلى مبدأ التدافع الحضاري وليس فكرة الصراع الحضاري ، وهو المبدأ القرآني المحض الذي نجد له أصلا في قوله تعالى (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ))20 وفي قوله تعالى (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ))21 فالتفاعل في الإسلام عملية تدافع لا تنازع ، وتحاور لا تناحر بمعنى: أن كل أمة تدفع الأخرى وتتنافس معها نحو الأفضل والأحسن ، لأن التفاعل يفيد استمرار الحياة والتصارع يؤدي إلى الفناء ، وبهذا يكون التفاعل الحضاري حوار دائم ينشد الخير والحق والعدل والتسامح للإنسانية بغض النظر عن توجهاتها الفكرية والأيدلوجية22.
إن التفاعل الحضاري والتواصل الثقافي الذي يوصل إلى الحوار العلمي الهادئ يجب أن لا يكون نوعا من الترف الفكري الذي ليس له انعكاس على الواقع المعاصر ولا تصل آثاره إلى دوائر صنع القرار في الأمة ، كما أن الحـوار بين الأمم ذات الحضارات والثقافات المختلفة يجب أن لا ينطلق من الإحساس بالتفوق العنصري أو الاستعلاء الحضاري أو روح الهيمنة الثقافية ، لأن الحوار الذي يكون قائما على أساس الشعور بالتفوق والاستعلاء لايؤدي الأهداف التي من أجلها تنشأ علاقات التواصل الثقافي بين الأمم ، بل إنه ربما يعود إلى الهدف بما يناقضه ومن هنا ينبغي أن يكون الهدف من الحوار هو إقامة قيم التسامح وإذكاء روح التعارف الثقافي والعلمي ، ذلك التعارف بالمعنى القرآني السامي الذي هو الأصل في تعامل الشعوب والأمم بعضها مع البعض الآخر استنادا إلى قوله تعالى (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ))23 .
إن التفاعل الحضاري الذي يراد منه أن تتخلى الأمة عن هويتها وخصائصها الذاتية وتصوراتها الفكرية لا يمكن أن يكون في حال من الأحوال تفاعلا إيجابيا وناجحا ، لأنه بذلك يكون نوعا من أنواع التبعية الثقافية والفكرية ، كمأ أنه يؤدي إلى أن تصبح الأمة متلقية لفكر جديد وتصور مستورد وعندئذ ستكون مغزوة في فكرها ومهددة في وجـودها وكيانها ، وسـتكون ضحية عدوان أيدلوجي وفكري وثقافي وهو أشـد أنواع العدوان وأعلى مرحلة من مراحل محو الثـقافة24 ولن ترضى الأمة الإسـلامية أن يكـون التفاعـل الحضاري غزوا لثـقافتها أو محوا لحضارتها وذوبانا في ثقافات الأمم واندماجا في حضارات الشعوب بدعوى التواصل الثقافي أو التحاور الحضاري ، فالعالم الإسلامي الذي يمد جسور التلاقي والتعاون والتفاعل مع الأديان السماوية والثقافات والحضارات الأخرى لا يقبل أن يكون ضحية تغريب العالم من خلال تفاعل حضاري يفقد معنى العطاء المتوازن والمنفعة المتبادلة .

المزيد حول الموضوع