ظاهرة المخدرات في المغرب و في العالم


ظاهرة  المخدرات في المغرب و في العالم
يظل موضوع المخدرات، رغم ما كتب عنه من بحوث ومقالات ودراسات، بحاجة ماسة وملحة إلى اهتمام المختصين في الطب وعلم النفس وعلم الاجتماع، كما في علم الاقتصاد وعلم السياسة، لما يشكله من خطورة على الإنسان هنا، وفي كل مكان في الأرض.
في الماضي، دمرت المخدرات شعوبا وحضارات عديدة، بعدما تفشت وأحكمت سيطرتها على العقول والأعصاب، وفي الحاضر تواصل تدميرها في كل أنحاء الدنيا…ولكن هذه المرة تشن حربها ضد الإنسان بوسائل التقنولوجية والعلم، وبوسائل المختبرات العلمية، وأيضا بوسائل النقل والاتصال المتطورة التي تجعل المخدرات حاضرة في كل زمان ومكان.
لقد استيقظ العالم في بداية هذا القرن ليجد المخدرات في متناوله، تلطف من ويلات حروبه وأهوالها، ولكنه في نهاية القرن وجد نفسه أمام كارثة تهدد بفناء الإنسان والقضاء على قدراته وحضارته، إذ توسعت زراعتها وتطورت صناعتها، كما توسعت وتطورت أسواقها في شتى أنحاء العالم، ليصبح عدد المدمنين عليها بمئات الملايين، غالبيتهم من الشباب، في الدول الغنية والفقيرة على السواء، إلا أن المجموعات البشرية التي تنتج القنب الهندي أو القات أو الخشخاش، مازالت هي الأكثر تخلفا في الحقل الاقتصادي والاجتماعي والفكري، ومناطقها مازالت هي الأكثر تخلفا في الحقل الاقتصاد والاجتماعي والفكري، ومناطقها مازالت هي الأكثر تعرضا لإهمال السلطات المسؤولة عنها.
اتجاه هذا الوضع الشاذ، يملأ بعض المخدرات في الدول المتخلفة بواسطة عملائهم وشركائهم، فراغ الدولة ويهتمون بالمزارعين المنسيين، فيشترون محاصيلهم بأسعار مغرية بالنسبة لمستوى المعيشة في مجتمعات هذه الدول، مما يؤمن لهم دخلا ثابتا ومقبولا دون تعب يذكر، وهو ما يجعل المخدرات منتشرة ورائجة في كل زمان ومكان.
تبدأ الضغوط من قبل البلدان المتطور فكريا واجتماعيا، والغنية اقتصاديا، والمبتلية بمشكلة الإدمان، من أجل مكافحة زراعة المخدرات فتتنبه الدول المعنية لما يجري في بعض مناطقها، وبعد أن تحصل على مساعدات مالية لاستبدال زراعة المخدرات، تعمد إلى إصدار تشريعات مشددة، تتعلق بمكافحة هذه الزراعات، وذلك إما استبدالها بزراعات أخرى أو باللجوء من وقت لآخر إلى إتلاف بعضها، وهو ما يمكن أن ينطبق على حالتنا تماما.
والمغرب كسائر بلاد العالم، لم يسلم من خطر المخدرات، زراعتها واستهلاكا وترويجا، عرف الحشيش من زمن بعيد، لا تحدده المراجع التاريخية، واستعمله المغاربة للأدوية وللتدخين خارج أي رقابة، ولكنه في السنوات الأخيرة أصبح في رأي بعض المراقبين في مقدمة البلاد المنتجة والمروجة له داخل الحدود الوطنية وخارجها، كما أصبح برأيهم نقطة رئيسية لعبور وتهريب المخدرات، شديدة المفعول نحو أنحاء عديدة من العالم.
ومع أن هذا الاتهام، يضخم من مسألة المخدرات بالمغرب، إلا أن استعمالها بين الشرائح المختلفة ذكورا وإناثا، وتوسيع زراعتها بالشكل الذي تتحدث عنه التقارير الرسمية، يجعل المغرب في موقع لا يحسد عليه كارثة المخدرات، فهو يفقد سمعته الدولية، كما يفقد صحة شبابه النفسية والجسدية بعدما أفسدت عليه هذه الكارثة مجتمعه وراحته النفسية.
فخلال عهد الاستقلال سنة 1956 تبين للمسؤولين أن قضية المخدرات، زراعة وترويجا واستهلاكا، قضية شائكة، وفي حاجة ماسة إلى علاج جذري، ولكن تأجيلها لبعض السنوات جعل منها قضية ضخمة وخطيرة، وفي حاجة إلى استئصال، بعدما تطورت أساليب التصنيع والتهريب والترويج، وبعدما تطورت كميات الاستهلاك الداخلي وكميات التصدير الخارجي بسرعة، وخلال سنوات جد قليلة.
في سنة 1992، وقبل صدور تقرير المرصد الجيو سياسي بباريس، خصت إحدى النشرات الغربية حيزا هاما للمخدرات في المغرب ضمن التقرير الذي أعدته عن المخدرات في حوض البحر الأبيض المتوسط، تناولت فيه بصفة خاصة مراكز إنتاج المخدرات وأسباب وجودها ومحاور تسويقها وانعكاسات ذلك على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، جاء فيه على الخصوص أن إنتاج المغرب بلغ سنة 1992 أكثر من 150 طن من الحشيش المستخلص من الكيف، وأن المغرب أصبح ب\لك يحتل المرتبة الرابعة بين الدول المصدرة لهذه المادة، وفي نظر الخبراء الذين وضعوا هذا التقرير فإن ترويج الحشيش المغربي خلال تلك الفترة، كان يعتمد على ثلاثة محاور: الأول يمر من كبريات المدن المغربية الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط في اتجاه مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين على شواطئ هذا البحر ، والثاني يمر عبر الجزائر وتونس، في حين يهم المحور الثالث دول إفريقيا السوداء.
ويقول هذا التقرير أيضا: منذ سنة 1980 احتل تجار المخدرات المغاربة موقعا متميزا في افريقيا على مستوى ترويج الكوكايين، بعغدما أصبحت عصابات المخدرات بأمريكيا الجنوبية تزود الشبكات المغربية النشيطة عن طريق الشبكات الغانية والنيجيرية.
وعن مردودية الإنتاج المغربي، من الحشيش يؤكد التقرير المذكور بأنها تعد بملايير الدولارات، ولا يمكن حصرها في أرقام معينة.
وعن طريق الحشيش في المغرب، يقول هذا التقرير: انطلاقا من الشاون وكتامة حيث تتمركز معامل التحويل، ينقل الإنتاج إلى تطوان وطنجة ووجدة وسبتة ومليلية وفاس والدار البيضاء، ومن هذه المدن يصدر الحشيش إلى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والجزائر وتونس وليبيا وأمريكا الشمالية واليابان.
وهكذا عندما تم إقرار معاهدة شانجن SCHENGEN سنة 1933 غيرت كل من فرنسا وإسبانيا تعاملهما مع المغرب بسبب الوضع الجديد للمخدرات، وخاصة منهم البريطانينالذين استاءوا من عبور المخدرات عبر جبل طارق، بل أنهم وبعد أن كانوا يغضون الطرف عما يحوم حول تجارة المخدرات بدؤوا يحثون المغرب على اتخاذ إجراءات تحد من رواجها والعمل على استئصالها من المزارع، وقد تم استعمال الرأي العام الإسباني كوسيلة للضغط بعد تم إقناعه بأن انتشار المخدرات في شبه الجزيرة الإيبيرية يرتبط ارتباطا وطيدا بالهجرة السرية، وبالمقابل فإن المغرب الذي كان قد وافق ابتداء من شتنبر 1992 على وضع ضباط للتنسيق في كل الرباط ومدريد طالب في دجنبر 1992 اللجنة الأوروبية توسيع دعمها لبرنامج التنمية الذي شرع المغرب في تطبيقه بالقرى الواقعة بجماعة غيساكن القريبة من كتامة وشفشاون ليشمل كل المناطق الريفية، وهو برنامج يعتمد أساسا استئصال الكيف وتعويضه بزراعات مشروعة وخاصة منها الأشجار المثمرة مع الاهتمام بتربية المواشي وتجهيز المنطقة بنقط الماء وبالمراكز الصحية، وقد قدرت السلطات المغربية قيمة المساعدة الضرورية لإنجاز هذا المشروع بسبعة ملايير فرنك فرنسي.
هكذا تحولت سنة 1992 إلى سنة حافلة بالكلام عن موضوع المخدرات، بالإعلام الخارجي كما بالإعلام الوطني، بعدما ظل مسكوتا عنه لعدة سنوات، ولكن ذلك لا يعني أن السلطات المغربية كانت غائبة عن الحقائق كانت غائبة عن الحقائق التي حملتها تقارير الصحافة الغربية المشفوعة بالأدلة والأرقام، عن "موقع" المغرب من زراعة وترويج المخدرات.
ففي هذه السنة نفسها (1992)، أعلن جلالة الملك عن الحملة الوطنية ضد المخدرات، وبعد ذلك أعلنت الحكومة أن الخسائر التي تلحقها المخدرات والتهريب بالاقتصاد الوطني فادحة وتتجاوز ثلاثة ملايير من الدولارات. وأعلنت جهات مختصة أن الإدمان على المخدرات في بلادنا في ارتفاع، وأن عدد المتعاطين للمخدرات والحشيش بصفة خاصة يصل إلى مئات الآلاف من المواطنين… أطفالا، نساء، ورجالا..، وأن المخدرات بدأت تأخذ شكل الكارثة في حياتنا.
ولربما كانت الحالة الكارثية للمخدرات في المغرب، هي الدافع الأساسي لأعداد "ملفات" هذا الكتاب. أننا في المغرب، بعيدا عن التقارير الأجنبية ومعلوماتها المثيرة، واتهاماتها المثيرة أيضا، لم نعد نستعمل المخدرات بشكل تقليدي كما كان في السابق… بل أصبح "للمخدرات التقليدية" "بارونات" و"امبراطويات" و"شبكات" و"أسواق" وتجار ومزعين كبار ومتوسطين، يهددون البلاد والعباد بالدمار والفناء.
ومع أن الحكومة، لم تعترف حتى الآن بأن هذه "الحالة" من صميم مسؤولياتها الذاتية، فإن التقارير التي نشرت عنها داخل المغرب وخارجه عرت المستور. وكشفت عن وجه ذلك "الغول الشرس" الذي يهددنا من الداخل بصمت… ولكن بقوة.
ألا تستحق هذه "الوضعية" وقفات الصحفيين والكتاب والعلماء وعلماء التربية والأطباء والاقتصاديين والسياسيين؟
ألا تستحق منهم التأمل والبحث والاستقصاء؟
أن الأمر أصبح يتعلق بظاهرة مخيفة في تجارتها وتهريبها وزراعتها كما أصبح يتعلق بظاهرة مخيفة في تعاطي شبابنا لسمومها البيضاء والسوداء النباتية منها والمركبة.
فمن خلال التقارير التي نشرت في السنوات الخمس الأخيرة، عن المخدرات في بلادنا، يتبين بشبكات مهيكلة محليا ودوليا، تروج الملايير من الدولارات على مدار السنة في الخفاء، وتهلك عشرات الآلاف من القدرات الشابة في الخفاء أيضا، وهو ما يجعل من ظاهرة المخدرات إشكالية معقدة، يصعب التحكم فيها يسير وسهولة، وخاصة بعدما كشفت محاكمات المخدرات لعام 1995 وما بعدها، تورط العديد من المسؤولين بالإدارات العمومية في ملفاتها، أن المواطن البسيط الذي لا حول له ولا قوة، والذي تحولت كل أحلامه إلى "الخبز" وحده. وإلى الاستمرارية في الحياة حتى ولو كانت بدون أمل، اصابته الدهشة إلى حد الدوار، عندما أعلنت البلاغات الرسمية عن حجم وضخامة الأموال والممتلكات التي جناها "أباطرة المخدرات" من التهريب والرويج…بعض المواطنين لم يستطيعوا فهم الأرقام المالية التي يجنيها الأباطرة من سموم المخدرات أو قراءتها.
وبعضهم كاد يتهاوى بالسكتة القلبية… وجميعه تساءلوا: هل كان " المخزن" غائبا عندما كانت هذه الامبراطوريات تجني المال الحرام في البلاد … وهل كانت الحدود مفتوحة لهم ولسلعهم ولمخدراتهم من أجل تشويه سمعة المغرب بالخارج، ومن أجل تسميم أبنائه والحد من قدراتهم بالداخل؟
إن التساؤلات التي تطرحها قضية المخدرات على المغرب ومن أجل تسميم أبنائه والحد من قدراتهم بالداخل؟
إن التساؤلات التي تطرحها قضية المخدرات على المغرب اليوم عديدة وكثيرة ومحرجة: أين كانت أعين حكومات عهد الاستقلال، عندما كانت امبراطوريات الحشيش تتكون وتنمو وتترعرع ألم يكن "الأباطرة" يصلولون ويجولون تحت أنظارها في الشمال والجنوب؟
من الصعوبة التصديق أنها كانت لا تعرف من هم المستفيدون الحقيقيون من وضعية الحشيش في المغرب.
ففي ظل حكومات الاستقلال/ ترعرعت هذه الامبراطوريات وفي ظلها عاش ونما وكبر أخطبوطها الذي أصبح من الصعب مكافحته أو القضاء عليه يسير وسهولة.
إن الفساد عندما يكبر ويترعرع يصبح وسيلة من وسائل تدمير الحياة العامة ولمنه يبقى دائما تحت المسؤولية السياسية المباشرة للحكومة/أي حكومة.
ففي أكتوبر 1992 تم ترشيح عدد كبير من مروجي المخدرات للانتخابات الجماعية التي جرت خلال ذلك التاريخ، ولضمان فوزهم بالمقاعد الجماعية استعملوا كل الوسائل الغير مشروعة بدءا بالمال الحرام وانتهاء بالتهديد والوعيد…والهدف كان هو ضمان تغطية قانونية تمكنهم من تكثيف نشاطهم التخريبي وتعزيز نفوذهم السياسي انتهاز الفرصة "الحريات الديموقراطية " ولكن ضغط المعارضة من جهة وتصعيد الوعي الشعبي بخطر استعمال الديموقراطية لصالح "أغنياء الحشيش" دفع بالحكومة المغربية حينها إلى التشطيب على أربعمائة مروج للمخدرات كان من المقرر أن يتقدموا كمرشحين في الانتخابات الجماعية…لكن هل منع هذا الأجراء فوز بعضهم في العديد من المواقع الانتخابية والتسرب إلى المؤسسات الديموقراطية؟
من هنا، نرى أن أي استراتيجية وطنية لمواجهة هذا الأخطبوط المخدراتي والتحكم في اتساعه وانتشاره، يشترط قبل كل شيء قبل مسؤوليات الحكومة نفسها، المشاركة الشهبية الجماعية لمكافحة داء المخدرات، كما يشترط الإصلاح الجذري لهياكل الإدارة المغربية وقوانينها وتطهيرها من الفاسدين الذين شملوا"الأخطبوط" برعايتهم وهو ما يعني إعادة النظر في مفاهيمها وأساليبها في التسيير والإدارة والبرمجة والتخطيط بمختلف مستوياتها ومسؤولياتها وليس ذلك بعزيز على الإدارة الوطنية.
إن إعلان الحرب ضد ظاهرة المخدرات وأخطبوطها يفترض أولا وقبل كل شيء إعلان الحرب ضد الفساد الذي غذى هذا الأخطبوط ورعاه في الظل حتى أصبح يفرض علينا شن حرب شاملة ربما لا نستطيع تحمل تكاليفها ولا نستطيع أداء فواتيرها.
هكذا إذن، اتخذت ظاهرة المخدرات، زراعة وتجارة وإدمانا أ[عادا داخلية وخارجية، اجتماعية واقتصادية، وأصبحت تفترض نفسها على الدولة وأجهزتها وميزانيتها كما أصبحت تفرض نفسها على المجتمع المدني ومؤسساته المختلفة.
فهي ظاهرة قاتلة ..تدعوا كل الأطراف إلى التأمل في تفاصيلها المفزعة، والعمل على مكافحتها

المزيد حول الموضوع