الدين والفلسفة

يعتبر كل من الدين والفلسفة حركة فكرية تحاول، كل على حدة وعلى طريقتها الخاصة، الوصول إلى الحقيقة، ومساعدة الإنسان على فهم معضلات الحياة وتعقيداتها وبعض ما يكتنفها من أسرار، والعيش حياة عادية تسودها أجواء من الراحة والمتعة. ويحاول الدين مساعدة أتباعه على التمتع بالحياة والتعامل مع تعقيداتها المختلفة من خلال دفعهم للهروب الواعي من الواقع، خاصة غير المريح منه، والنظر إلى الحياة على الأرض باعتبارها محطة على الطريق لما بعدها من حياة موعودة. أما الفلسفة فتحاول مساعدة أتباعها على التمتع بحياتهم من خلال حثهم على مواجهة تعقيداتها الكثيرة المتنامية، وتطوير قدراتهم العقلية على ممارسة التأمل الواعي والتفكير العلمي، ولا ترى سببا في تخلي الإنسان عن هذه الحياة من أجل ما يعد به الدين من حياة مؤجلة أخرى. وبسبب ذلك يلاحظ المراقب أن حياة الإنسان المؤمن بعقيدة دينية، خاصة الإسلام والمسيحية، تتصف عموما بالبساطة والهدوء النسبي والقناعة، بينما تتصف حياة الإنسان غير الملتزم بفكر ديني بالتعقيد وعدم الاستسلام لمعطيات الواقع والسعي الدءوب نحو تغييرها.

         يتجه المؤمن دينيا عادة إلى حصر تفكيره ضمن حدود ضيقة لا تتجاوز المفاهيم والمعتقدات التي يؤمن بها، ويتحاشى الخوض في غالبية الأمور الحياتية المعقدة، ويقوم في الوقت ذاته بالعمل على إعداد نفسه بهدوء لاستقبال الحياة الأخرى. وفي المقابل، يتجه الإنسان غير الملتزم بفكرة دينية معينة إلى التفكير من منطلق واسع يقوم من خلاله بالانغماس في تعقيدات الحياة وتجنب الخوض في غيبيات الحياة الأخرى. ويعود السبب في تباين المواقف بين الملتزم دينا وغير الملتزم إلى قناعة الأول بأنه ليس بإمكانه أن يفعل الكثير لتغيير قدره في الحياة، وأن كل ما يستطيع أن يفعله ينحصر فيٍ إعداد نفسه للنجاة والسعادة في حياة ما بعد الحياة. أما الإنسان غير الملتزم بعقيدة دينية فيرى أن بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل تغيير معطيات حياته وإسعاد نفسه، بينما لا يرى أن بإمكانه أن يفعل شيئا بالنسبة لحياة ما بعد الحياة التي لا يعرف عنها شيئا.

         إن من أبرز ما يقوم به الدين من أمور هو تحديد معنى وفحوى الحقيقة وحدودها، وبالتالي مساعدة أتباعه على تجنب عناء التفكير في تعقيدات الحياة ومغريات ما بعدها من حياة موعودة. أما الفلسفة فتقوم عادة بفتح الطريق أما الإنسان الواعي لبدء رحلة البحث عن الحقيقة مستخدما إمكانياته العقلية وما توصل إليه الإنسان من أدوات تحليل علمية على مدى العصور. وهذا يعني أن الأول يُقبل على الإيمان بالحقيقة كما يحددها الدين دون تفكير كثير، ويقتنع بالمقولات والوعود الدينية دون بحث معمق، أما الثاني فيبجه إلى البحث في أمور الدنيا قبل أن يؤمن، ويفكر مليا قبل أن يبدأ عملية البحث عن الحقيقة، مما يجعل مواقفه من الحياة وتعقيداتها وما بعدها تقوم على القناعة المؤسسة على البحث العلمي والتفكير التأملي، وليس على الإيمان المؤسس على الغيب.

         إن بإمكان الفلسفة أن تفهم كنه الحياة بوجه عام، وأن تفسر الكثير من تعقيدات الحياة المجتمعية، إلا أنه ليس بإمكانها أن تخلق مجتمعا ذا صفات تميزه عن غيره من مجتمعات أخرى، ولا تستطيع توفير ما يكفي من القيم والتقاليد والمعتقدات المشتركة لتوحيد أفراد مجتمع ما وخلق تجانس ثقافي فيما بينهم. وفي المقابل، يتميز الدين بقدرته الفائقة على خلق مجتمعات متجانسة تتوفر لأفرادها العادات والتقاليد والقيم والمعتقدات الكفيلة بتوحيدهم، إلا أنه ليس من السهل على الدين أن يفهم تعقيدات الحياة وأن يتعامل مع ما تعيشه المجتمعات الإنسانية من تطورات لا تتوقف عن التغير. وإذا كان بمقدور ومن أهداف الدين أيضا خلق مجتمعات متجانسة تلتزم بأخلاقيات حميدة، فإنه ليس بمقدور ولا من أهداف الفلسفة تأسيس مجتمعات بناء على أخلاقيات حميدة أو غير حميدة. رغم ذلك، لا يمكن للدين أو الفلسفة أو أية عقيدة اجتماعية أو سياسية أن تبقى على حالها، إذ لا بد وأن تخضع كل الأفكار والفلسفات الاجتماعية والعقائدية لمنطق التاريخ الذي لا يتوقف أبدا عن التطور. وهذا يجعل دعوات الحفاظ على الأصالة والتمسك بالقديم من أفكار وقيم وتقاليد هي دعوات غير واعية للتخلف عن الزمن، والتهرب الواعي من تعقيدات الحياة ومنطق التاريخ الذي يحكم عملية التطور المجتمعي والإنساني بوجه عام.

        

المزيد حول الموضوع