ظاهرة التمدين




يقصد بظاهرة التمدين، تزايد عدد السكان وتوسع مجالها الجغرافي وتكاثر عدد المدن بفعل الهجرة القروية لذلك تشهد ظاهرة التمدين خلال النصف الثاني من القرن العشرين ارتفاعا بوثيرة سريع، وقد ترتب عن ذلك تزايد عدد المدن نتيجة تحول مجموعة من المراكز القروية الصغيرة إلى حواضر.
تشير التقديرات الصادرة عن المنظمات المختصة بعلوم الانثربولجيا إلى إن كوكبنا بدأ يشهد العديد من المتغيرات الديمغرافية والبيئية التي قد تشكل تهديدا على الاستمرارية الطبيعية للأجيال القادمة.
حيث يؤكد العلماء إن مع بداية القرن العشرين تشكلت العديد من المتغيرات الأساسية في حياة الأفراد أو المجتمعات، صاحبها تطور مطرد تكنولوجيا وصناعيا، بشكل بدء يترك آثار غير طبيعية على كوكب الأرض.
فتقلص أعداد السكان في المناطق الريفية، وظاهرة نمو المدن من الداخل، أخذت ترتب عليها العديد من النتائج السلبية والمؤثرة في حياة الإنسان، قد لا تكون منظورة على المدى القريب.
ظاهرة تمدين الكوكب
يعيش 3.3 مليار شخص في الوقت الحاضر في المدن والمراكز الحضرية حول العالم، وبحلول عام 2030 من المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى خمسة مليارات شخص. وسيحدث 95 بالمائة من هذا النمو في الدول النامية.
ففي العقود الثلاثة القادمة، سيتضاعف عدد سكان المدن في آسيا من 1.36 مليار إلى 2.64 مليار نسمة، كما سينمو عدد سكان المدن الإفريقية بأكثر من الضعف من 294 مليون إلى 742 مليون شخص. أما دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، فستشهد نمواً أبطأ من 400 مليون إلى 600 مليون شخص، وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان. بحسب شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).
وبينما تتصدر المدن الكبرى العناوين الإخبارية البارزة وجداول أعمال التنمية، من المتوقع أن يتوقف النمو العام في المراكز الحضرية التي تزيد عن 10 ملايين نسمة، وبدلاً عن ذلك، ستحصل المدن التي يقطن فيها أقل من 500,000 نسمة على نصف النمو الحضري الكلي خلال السنوات العشر القادمة.
وجه نظر أخرى
يقول ديفيد ساتروايت من المعهد الدولي للبيئة والتطوير، إذا كانت السرعة التي تنمو فيها المدينة استجابة للفرص الاقتصادية فهي تشكل فائدة وهي بذلك ليست بمشكلة. وأشار ساتروايت إلى أن "جزءاً كبيراً من القيمة الاقتصادية في أي بلد يتم توليده في المناطق الحضرية.
حتى في الدول [النامية] التي يعيش 60 إلى 70 بالمائة من سكانها في المناطق الريفية، فلا زلنا نجد أن أكثر من نصف الاقتصاد وغالباً أكثر من ذلك يتم توليده في المناطق الحضرية.
المشكلة إذن ليست النمو، وإنما النمو العشوائي. ففي عام 2001، سكن 924 مليون نسمة أو حوالي 31 بالمائة من سكان المدن في العالم في مستوطنات غير رسمية أو أحياء فقيرة، يقع 90 بالمائة منها في الدول النامية. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن يصل عدد سكان الأحياء الفقيرة حول العالم إلى ملياري شخص.
في العاصمة البنغالية دكا، يعيش 3.4 مليون شخص في 5,000 حي فقير ومستوطنة عشوائية. وينحصر 60 بالمائة من سكان مدينة نيروبي في أكثر من 130 مستوطنة غير رسمية، تشغل 5 بالمائة فقط من المساحة الكلية للمدينة. أما في بومباي، فتنمو المستوطنات غير الشرعية 11 مرة أسرع من المدينة ذاتها حيث يصل إليها 300 شخص يومياً من الأرياف.
وكل هذه الأمور في نهاية المطاف تترجم إلى فقر مدقع وأوبئة وظروف معيشة مروعة. ففي دكا مثلاً، كلما ارتفع مستوى النهر تفيض مياهه وتُغرِق التجمعات غير الشرعية المؤلفة من الأكواخ الصغيرة المرفوعة على أعمدة. وقد بنيت هذه الأكواخ في أحواض الفيضان فوق مياه لا تنفك الروائح الكريهة من الانبعاث منها ولا تفارقها نفايات المصانع. أما في دلهي فمشكلة المياه هي الندرة حيث يتصارع سكان الأحياء الفقيرة مع بعضهم البعض للحصول على فرصة استخدام أحد أنابيب المياه الموجودة في منطقتهم، وفي كثير من الأحيان تمر أيام كاملة دون الحصول على قطرة ماء.
ويكون سوء التغذية في العادة في أعلى مستوياته في الأحياء الفقيرة، حيث تؤدي البطالة إلى انعدام قدرة السكان حتى على شراء الخضراوات التي تزرع محلياً.
ويركز تعريف "الأحياء الفقيرة" و"فقراء المدن" دائماً على ما يفتقده هؤلاء الأشخاص من التعليم والخدمات الاجتماعية والوظائف والماء النظيف والرخيص والصرف الصحي والسكن والصفة السكنية. وفي كثير من الأحيان يعيش الفقراء في مساكن دون المستوى العادي، وفي المساحات العامة الفارغة، أو في مستوطنات غير شرعية قرب المناطق الحضرية الرئيسية.
وعادة ما تفرض النظرية التي تقول "أن مستويات الفقر في المدينة أقل من مستوياته في الريف"، غير أن الأعداد المطلقة للفقراء والمصابين بنقص التغذية في تزايد مستمر في المناطق الحضرية. وقد أشار برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) في عام 2003 أن "الفقر بدأ عموماً بالانتقال إلى المدن... وهي عملية تعرف باسم "تمدين الفقر". وبينما يتجه موطن الفقر نحو المدن، تتعثر المساعدات التنموية في التحرك معه.

سلبيات نمو المدن السريع
وقد نمت المدن بشكل رئيسي في القرن العشرين من خلال الهجرة من الأرياف إلى المدن. أما اليوم، فتنمو المدن في الغالب من الداخل، أي أن عدد الأشخاص الذين يولدون في المراكز الحضرية يزيد عن عدد الوفيات فيها. وعملية التمدين هذه – أو ما يسمها علماء السكان "النمو الطبيعي" – ما هي إلا مؤشر جزئي على التطور في المجال الطبي في الدول النامية ووصول أكبر للرعاية الصحية في المناطق الحضرية بشكل خاص.
ولكن حقيقة أن معدلات الوفيات أنخفض عموماً في المدن تخفي الأزمة الصحية التي تعاني منها الأحياء الفقيرة.
والأسوأ من ذلك، أن معظم المتأثرين بهذا الانفصام في الرعاية الصحية داخل المدن هم الأطفال. فقد وجدت دراسة نشرتها "المجلة الدولية للمساواة الصحية" عام 2006 أن الاختلاف في مجال سوء التغذية داخل المدن في 15 دولة إفريقية جنوب الصحراء الكبرى أكبر من الاختلاف الموجود فيها بين الريف والمدينة.
كما أشار تقرير أصدرته الأمم المتحدة عام 2006-2007 حول وضع مدن العالم إلى أن سوء التغذية لدى الأطفال في الأحياء الفقيرة والمناطق الريفية في أثيوبيا يصل إلى 47 بالمائة و49 بالمائة على التوالي، مقارنة بنسبة 27 بالمائة في المناطق الحضرية خارج الأحياء الفقيرة. وفي النيجر، تصل نسبة سوء التغذية لدى الأطفال في الأحياء الفقيرة والمناطق الريفية إلى 50 و 52 بالمائة على التوالي في العامين المذكورين مقابل 35 بالمائة في المناطق الحضرية غير الفقيرة. وفي الأحياء الفقيرة في الخرطوم، تصل نسبة انتشار الإسهال بين الأطفال إلى 40 بالمائة مقابل 29 بالمائة في المناطق الريفية. وبذلك يخلص التقرير إلى القول أن "العيش في الأحياء الفقيرة المزدحمة وغير الصحية هو أكثر خطراً على الحياة من العيش في القرى الريفية الفقيرة".
 توفر المياه
أما بالنسبة لتوفر المياه والصرف الصحي في المناطق الحضرية فهو كالرعاية الصحية أفضل حالاً عموماً في المدن عنه في الأرياف. ولكن من جديد تخفي مقارنة الأرقام الكلية للريف والمدينة الحقيقة، فعلى سبيل المثال، يتشارك 1,300 شخص في حي مباري في مدينة هيراري في زيمبابوي في مرحاض عمومي واحد توجد فيه ست حفر فقط لقضاء الحاجة.
ومع ازدياد عدد سكان المدن، يزداد أيضاً عدد الأشخاص الذين لا توجد لديهم مصادر مياه محسنة، حيث سيتضاعف عدد هؤلاء من 108 ملايين شخص عام 1990 إلى 215 مليون شخص عام 2010. وفي بيئات المدينة الكثيفة – وحتى في بيئات الأحياء الفقيرة الأكثر ازدحاماً – يمكن للأمراض المعدية أن تتحول بسرعة إلى أوبئة، مما يجعل عواقب المياه غير الآمنة وضعف خدمات الصرف الصحي أسوأ بكثير من المناطق الريفية. وسيتأثر بكل ذلك عدد أكبر من الناس في المدن نظراً للتجمعات السكانية الكثيفة.
وبالإضافة إلى التأثيرات الواضحة التي تظهر بسبب التوفر الضعيف للماء والصرف الصحي والخدمات الصحية (مرض إلتهاب ذات الرئة والملاريا والإسهال والسل وفيروس نقص المناعة المكتسب/الإيدز)، تؤدي ندرة الخدمات إلى استمرار الفاقة والفقر، إذ ينفق الفقراء في المدن نسبة أعلى من دخلهم على معالجة الأمراض وهم أكثر عرضة لفقدان الأجور وفقدان الأمن الوظيفي عندما يضطرون للغياب عن العمل. وكل هذا يؤدي إلى إضعاف قدرتهم على التحمل والاستمرار، مما قد يبقي العائلة المتنقلة حبيسة دائرة مغلقة من الفقر المستمر.
الكوارث الغير طبيعية
دور الحكومات
وفي عام 1990، أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريراً عن التنمية البشرية تطرق الفصل الخامس منه بشكل خاص للتأثير البشري للتمدين في الدول النامية.
عند الحديث عن دور الحكومات المحلية والوطنية في مجال تقديم الخدمات للفقراء في المدن، أوصى القائمون على التقرير أن تقوم الحكومات "بالتحول من تقديم الخدمات بشكل مباشر إلى تمكين الآخرين من تقديم هذه الخدمات – مثل المنتجين الرسميين وغير الرسميين، أو المنظمات غير الحكومية المحلية أو سكان المدن أنفسهم."
وقد اكتمل هذا النموذج المعتمد على الاستعانة بمصادر خارجية بحلول عام 2007، وكما أوضحت الكاتبة راسنا وارا في تقييمها لدور الحكومة الكينية في التنمية الحضرية "يكمن حل مشكلة الأحياء الفقيرة في نيروبي في التدخل المتكامل والقوي للوكالات والجهات الحكومية".
فتطوير الرعاية الصحية والتعليم وتوفير المياه وخدمات الصرف الصحي، إلى جانب منع العنف والاستجابة للكوارث الطبيعية، يعتمد على الحكومات المحلية. وتبدأ الإدارة والحكم الجيد بالاعتراف بالحقوق القانونية لسكان الأحياء الفقيرة وغير الشرعية في الوجود وصياغة هذا الحق من خلال امتلاك الأراضي وتعليمات فرز وتخطيط مناطق المدينة. وقد تزامن الإدراك أن الحكومة متغيبة عن تخطيط المدن مع الإدراك أن الفقراء في المدن كانوا، في أحسن الأحوال، مستقبلين سلبيين، وفي أسوأ الأحوال، مغيبين كلياً عن التخطيط والتنفيذ لمشاريع تطوير الأحياء الفقيرة. كما أن فقراء المدن هم في أفضل موقع للدفاع عن حقوقهم أمام السلطات المحلية، ولتصميم وتنفيذ هذه المشاريع التي تهدف إلى تطوير أحيائهم الفقيرة.
وفي الوقت الحاضر، يكافح مسؤولو التنمية الحضرية لتحديد دورهم ولتأسيس توجه أكثر نشاطاً وتماسكاً نحو التمدين. وترى جايلي رئيسة مؤسسة كير، أن منظمتها غير الحكومية هي صلة وصل بين الحكومات والأحياء السكنية، حيث قالت "نحن لا نقول أننا نزحف إلى مواقع السلطة في هذه البلاد ولكننا نبحث جدياً عن الطريقة التي يمكننا من خلالها أن نقدم المساعدة على مستوى القاعدة لنعطي الناس الإحساس بقدرتهم على التفاعل وجعل حكوماتهم مسؤولة أمامهم".
ظاهرة التمدين بالمغرب، عواملها وانعكاساتها
تتمثل أزمة المدينة المغربية في عدة مظاهر، يأتي على رأسها المجال الاقتصادي من خلال تدخل الاقتصاد غير المهيكل وارتفاع المضاربة العقارية وكذا ضعف الدخل الفردي لدى معظم الحضريين ثم كثرة الباعة المتجولون. يليه المجال الاجتماعي والمتمثل في انتشار دور الصفيح والبناء العشوائي، قلة التشغيل وبالتالي انتشار البطالة علاوة على اتساع دائرة الفقر الحضري. يأتي بعد ذلك مجال التجهيزات الذي يعاني من خصاص كبير في التجهيزات وعدم كفايتها، علاوة على نقص النقل الحضري وفي خدمات المرافق العمومية كالإنارة والتطهير والماء الشروب. وأخيراً المجال البيئي، ويعاني هذا الأخير من مشكل جمع ومعالجة النفايات ومطارحها.
           هذا ويفسر كل هذا بعدة عوامل، منها ما ترتبط بالجانب الديمغرافي المتمثل في الارتفاع الملحوظ الذي عرفته الساكنة الحضرية المغربية وتزايد عدد المدن وارتفاع ساكنتها وذلك راجع إلى التزايد الطبيعي والهجرة القروية مما أدى إلى ظهور مدن الصفيح وبالتالي التأثير سلباً على المرفلوجية (الشكل الخارجي للمدينة)، وعوامل أخرى ترتبط بالجانب التنظيمي وسوء التدبير وذلك نتيجة عدم تطبيق قوانين التعمير وهي عبارة عن نصوص تشريعية تنظم وتقنن البناء والتوسع العمراني، بيد أن احترام هذه القوانين لم يتم مراعاته واعتباره في المقابل وثيقة غير إلزامية ومن جهة أخرى هناك تضارب بين المؤسسات شبه العمومية واللوبي العقاري (جماعات ضاغطة) يعملان على عدم احترامها مما يعطي نسيجا عمرانيا مفككا ومتنافراً.
         على مستوى ما سبق وتماشيا مع رغبة المغرب في حل مشكلة المجال الحضري فإن أشكال التدخل تتعدد بدورها وترتبط بعدة مجلات ، أولها المجال الاقتصادي يتم تشجيع الأنشطة الاقتصادية الموفرة للدخل ولفرص الشغل وفي نفس الإطار تدعم مقاولات الشباب حاملي الشهادات وكذا خلق وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة ثم تنشيط النمور الاقتصادي من خلال تنظيم المعارض والأسابيع التجارية. وثانيها المجال الاجتماعي فهذا الأخير يرتبط بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 وإنشاء صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وكذا إنجاز برامج السكن الاجتماعي وبرنامج محاربة الفقر في الأوساط الحضرية وشبه الحضرية.

المزيد حول الموضوع