حكم اختلاف بدء ونهاية الصوم



حكم اختلاف بدء ونهاية الصوم
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
مما ينبغي أن يعلم أن مسألة "اختلاف المطالع" هي كغيرها من المسائل الفقهية التي تنازع فيها أئمة العلم قديماً وحديثاً، والخلاف فيها لا يضر كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "وجنس هذا الاختلاف لا بد منه في المسائل الفروعية ولا يضر"1.
والحق أن في هذه المسالة أقوال عدة للعلماء، لكن أشهر هذه الأقوال هما قولان نذكرهما مختصرين مع أدلتهما:
القول الأول: لو رأى أهلُ بلدٍ هلال رمضان؛ لزم سائر بلاد الدنيا العمل بهذه الرؤية، واستدلوا بأدلة:
1.  منها قوله - تعالى -: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}2، ووجه الدلالة: أن الله علَّق صوم رمضان برؤية الهلال دون أن يخُصَّ كُلَّ قطر برؤية أهله.
2.     ومن الأدلة قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته))3، وكذلك حديث: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه))4 قالوا: فالخطاب هنا لعامة الأمة لا لأناسٍ مخصوصين.
3.  واستدلوا كذلك بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: "ترآى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أني رأيته؛ فصام، وأمر الناس بصيامه"5.
4.  وحديث أبي هريرة الذي يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون... ))6  فقالوا: إن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض، وشهادته في جميع الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها.
5.  واستدلوا بأن شهر رمضان ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين، ووقوع الطلاق، والعتاق، ووجوب النذور، وغير ذلك من الأحكام، وكذا الصوم لثبوته بشهادة الثقات.
6.     وكذلك قاسوا البلاد البعيدة على القريبة من بلد الرؤية؛ إذ لا فرق بينهما، والتفرقة تحكم لا يعتمد على دليل.
7.     وهذا القول أقرب لتوحد المسلمين، واجتماع كلمتهم، وهذا القول فيه الاحتياط للعبادة.
فهذه بعض الأدلة التي استدلوا بها، وهناك أدلة أخرى استدل بها القائلون بهذا القول.
القول الثاني: أن لكل أهل بلدٍ رؤيتهم؛ واستدلوا على هذا القول بعدة أدلة:
1.  منها ما استدل به أهل المذهب الأول - وهي قوله - سبحانه -: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، ومن لم ير الهلال لم يشهد الشهر.
2.  وكذلك استدلوا بحديث: ((لا تصوموا حتى تروه))، وحديث: ((صوموا لرؤيته))، ونحو ذلك من الأحاديث التي علَّقت الصيام بالرؤية، ودلَّ ذلك على أن من لم ير الهلال فلا يلزمه الصوم.
3.  وكذلك حديث كريب: أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام؛ فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -7.
4.     وكذلك قالوا: إن ذلك أدعى للوحدة في كل قطر، وعدم زيادة الاختلاف والفرقة.
5.  وقالوا كذلك بأن: القول باتحاد المطالع، وتوحُّد الرؤية؛ يخالف المعقول؛ لما علم وثبت بالضرورة من اختلاف الأوقات، ولأن الشرع أناط إيجاب الصوم بولادة شهر رمضان، وبدء الشهر يختلف باختلاف البلاد وتباعدها، مما يقتضي اختلاف حكم بدء الصوم تبعاً لاختلاف البلدان.
 فالحاصل أن القول الأول - إن أمكن العمل به - أقرب لتوحد المسلمين، ولكن الأمر كما قال الشيخ الألباني - رحمه الله -: "وإلى أن تجتمع الدول الإسلامية على ذلك فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها، تقدمت في صيامها أو تأخرت، لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية منذ بضع سنين، والله المستعان"8، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة فجاء في فتوى لها: "ونظراً لاعتباراتٍ رأتها الهيئة وقدرتها، ونظراً إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها؛ فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرناً لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة؛ فإن أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته"9.
وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى -: "وعمل الناس اليوم على هذا أنه إذا ثبت عند ولي الأمر؛ لزم جميع من تحت ولايته أن يلتزموا بصوم أو فطر، وهذا من الناحية الاجتماعية قول قوي, حتى لو صححنا القول الثاني الذي نحكم فيه باختلاف المطالع فيجب على من رأى أن المسألة مبنية على المطالع ألا يظهر خلافاً لما عليه الناس"10.
نسال الله - عز وجل - أن يمُنَّ على هذه الأمة بالتوحد والائتلاف على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، اللهم وفقنا لطاعتك، وجنبنا معصيتك، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

1 فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (4/156).
2 سورة البقرة (185).
3 رواه البخاري (1776)، ومسلم (1809).
4 رواه اليخاري (1773)، ومسلم (1795).
5 أخرجه أبو داود (1995)، وهو في صحيح أبي داود للألباني برقم (2028).
6 رواه الترمذي (1995)، وهو في صحيح أبي داود للألباني (2028).
7 رواه مسلم (1819).
8  تمام المنة ص (398).
9 رقم الفتوى (3686) (10/103) من جمع الدويش.
10 الشرح الممتع (6/322).

 الشيخ: هذا المسألة أختلف فيها أهل العلم فمنهم من يرى توحيد المسلمين تحت رؤية واحدة بمعنى أنه إذا ثبت رؤية الهلال بمكان من بلاد المسلمين ثبت حكمه في جميع بلاد الإسلام شرقيها وغربيها فإذا رأوا يعني مثلاً في المملكة العربية السعودية وجب على جميع المسلمين في جميع أقطاب الدنيا أن يعملوا بتلك الرؤيا صوماً وإفطاراً ومنهم من يرى أن الحكم يختلف باختلاف العمل يعني باختلاف الولايات فإذا ثبت في مكان في ولاية واحدة ولو تباعدت اقطارها فإنه يجب العمل به في جميع تلك الولاية أو تلك الدولة دونا بقية الدول الأخرى ومنهم من يرى أن المعتبر في ذلك مطالع الهلال فإذا اختلفت مطالع الهلال فإنه لا يلزم الاتفاق في الحكم أما إذا اتفقت المطالع فإنه يلزم الاتفاق في الحكم فإذا رؤي في بلد ما وكانت البلد الأخرى توافقها في مطالع القمر فإنه يلزمهم الصوم وإن كانت تخالفها فإنه لا يلزمه وهذا هو القول الراجح من حيث الدليل ومن حيث التعليل أما الدليل فإن الله تعالى يقول (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) يعني من لم يشهد فلا يلزم عليه الصوم ويقول النبي عليه الصلاة والسلام (وإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا) فمفهوم هذه الجملة الشرطية أننا إذا لم نره لا يلزمنا صوم ولا فطر والمعنى والقياس يقتضيه فإنه كما اختلفنا في الإمساك والإفطار اليومي كذلك يجب أن يكون خلاف في الإمساك والإفطار الشهري ففي اليوم تغرب الشمس على أهل المشرق قبل غروبها على أهل المغرب ومع ذلك فإن أهل المشرق يفطرون وأهل المغرب صائمون وكذلك أهل المشرق يمسكون قبل أهل المغرب فيكون أهل المشرق قد أمسكوا لطوع الفجر عندهم وأهل المغرب يأكلون ويشربون لعدم طلوع الفجر عندهم فإذا كان هذا الاختلاف ثابتاً بالإجماع في الإمساك والإفطار اليومي فمثله بلا شك الإفطار والإمساك الشهري إذ لا فرق ولكن مع ذلك نقول إن الرجل إذا كان في مكان فإنه يتبع ذلك المكان إذا أمر ولاة الأمور بالصوم فليصوم وإذا أمروا بالإفطار فليفطر فإذا قدم إلي بلد قد سبق برؤية الهلال يعني أنه قدم من بلد كانوا قد صاموا قبل هذا البلد الذي قدم إليه بيومين قد صاموا قبلهم بيومين فإنه يبقى حتى يفطر أهل البلد الذي قدم إليهم وإذ كان الأمر بالعكس بأن قدم من بلاد قد تأخروا في الصوم إلي بلاد قد تقدموا فإنه يفطر مع أهل هذه البلاد ويقضي ما بقي عليه من أيام الشهر لأنه لا ينبغي للإنسان أن يخالف الجماعة بل يوافقهم وإذا بقي عليه شي أتى به كالصلاة مثلاً يدرك الإمام في أثناء الصلاة فيصلي معه ما أدرك ويقضي ما فاته والحاصل أن هذا هو حكم هذه المسألة أن العلماء اختلفوا فيها وعلى كل حال فإذا كنت في بلد فصوم معهم وأفطر معهم أما بالنسبة لرؤية هلال ذي الحجة فإن المعتبر بلا شك البلد التي فيها إقامة المناسك فإذا ثبت الهلال فيها عمل به ولا عبرة ببقية البلدان وذلك بأن الحج مخصوص بمكان معين لا يتعداه فمتى ثبت رؤية ذي الحجة في ذلك المكان وما ينسب إليه فإنه يثبت الحكم حتى لو خالفه بقية الأقطار.
المصدر موقع ابن عثيمن  http://www.ibnothaimeen.com/all/noor/article_1960.shtml





المزيد حول الموضوع