المرأة بين الماضي والحاضر



المرأة بين الماضي والحاضر

تتقدم الحياة وتتطور ببني الإنسان ، في شتى المجالات ، ويكتسب علما وغنى ، لكنه يفقد وهو في صراعه لاكتساب الانتصارات صفات غنى ينبغي ان يتصف بها ، وتكسب حياته معنى وتألق ، تقدمنا في مجال العلوم ، نعم ، احرزنا المكاسب الكبيرة على قوى الجهل والظلام ، سيطرنا على الطبيعة وعلى قواها الجبارة الفاتكة ، لكننا لم نستطع أن نجعل الإنسان أكثر سعادة ، ولم نتمكن ان نجعل الحياة اشد جمالا ، وتألقا وبهاء
لو قارنا بين حياة الإنسان قديما وحديثا لأتضح لنا ان الحياة القديمة كانت أكثر بهاء وجمالا وأكثر مدعاة الى الرضا ، فاذا طرحنا السؤال عن سبب هذا التدهور في المجالات النفسية مع التقدم الكبير والهائل في المجالات العلمية ، لكان الجواب لأننا نهتم بشكل الإنسان وهيئته دون ان نهتم بمعناه وعواطفه وروحه ، ووضع المراة من الأمور التي تدهورت في عالمنا المعاصر ، وتراجعت كثيرا عما كانت عليه في الأوقات الماضية ، ومع الدعوات الكثيرة والمتكررة التي يطلقها البعض عن حقوق المراة ومساواتها بالرجل ، فان هذه الدعوات التي تتصف بالنبل ظاهريا ، تخلو من هذه الصفة في حقيقة الأمر ، كانت المراة تتمتع بحقوق كثيرة ، لا تتمتع بها الآن ، المراة البابلية أنصفتها القوانين المتعددة ، ومنحتها العديد من الامتيازات ، والمراة في عهد ما قبل الإسلام مع كثرة ما قيل انها حرمت من الحقوق ، وانها تعرضت الى الوأد وان الاسلام جاء وانصفها ومنحها الكثير من الحقوق ، هذا الكلام لايمكن إثباته ، صحيح ان الإسلام منح المراة حقوقا كثيرة ، لكنها بقيت بدون تنفيذ حتى يومنا هذا ، ساوى الإسلام بين الرجل والمراة في كل شيء الا الإرث والشهادة ، ومنحها الحقوق الأخرى ، ولكن نظرة الى الأوضاع التي عاشتها المراة المسلمة وكيف انها تعاني من الظلم والحيف وغمط الحقوق وانها عاجزة عن الإتيان بأي امر من الأمور الا بموافقة ولي أمرها من الرجال ، وانها تظل ناقصة عقل ودين مهما عملت وقدمت من جلائل المهام وما قامت به من تضحيات جسام ، وهذا اللحاف السميك الذي تتلحف به على انه حجاب يمنعها من ان تفوم باي شيء حتى المشي ، تمتعت المراة المسلمة ببعض الحقوق في صدر الدعوة الاسلامية ، فكانت تنفق اموالها من لم يعرف اجل نشر الدين ، وتشترك في الحروب والغزوات ، وتسال عن رأيها في الأمور ويحترم ذلك الراي ، ويعمل به وعرفت انها اكتسيت نهارات في شؤون الحياة ، وهذه الحقوق التي جاء بها الإسلام لم تكن جديدة ، فقد اكتسبت المراة العربية قبل الاسلام حقوقا كثيرة كانت لاتقل عن الحقوق التي تمتع بها الرجل ، مثل حق الاشتغال بالأعمال التي كانت مألوفة ذلك الوقت مثل التجارة والقدرة على التملك وإدارة الأعمال وحق السفر والرأي والدفاع عن وجهة النظر ، ولم تكن عادة واد البنات الا في الأسر الفقيرة المعدمة ، وعندما جاء الإسلام ابطل بعض العادات السيئة برأيه والتي لا تتماشى مع مبادئه ، وحافظ على العادات التي وجدها متفقة مع تعاليم الإسلام ، وبقيت المراة العربية متمتعة بالحقوق حتى نهاية الدولة الأموية ومجيء الدولة العباسية حيث كثرت الغزوات وأخذت النساء جاريات ، وقد فرض الحجاب أول الأمر على المراة الحرة للتمييز بينها وبين الجارية ، ثم أخذت الأسر العريقة تفرض على نسائها ارتداء الحجاب السميك وتغطية الوجه والأطراف مع انها من الأجزاء التي يحلل إظهارها ، لان الحجاب برايها مدعاة الى اكتساب احترام الأسر الأخرى التي لا تتمتع بنفس الاصالة ، وهذا الحجاب يحول بين المراة وبين القيام بكثير من الأمور التي تجدها المراة السافرة اشياء من اليسير عليها الإتيان بها ، مثل الألعاب الرياضية والمحافظة على الأناقة ، والسرعة في السير وارتياد المسارح ، مما يؤدي بالتالي الى فرض عدم الاختلاط ، مما يسبب لتلك النظرة التي تزعم ان لكل من الجنسين ثقافة مختلفة عن ثقافة الجنس الآخر ، فيفرضون على المراة عدم الاهتمام بالسياسة لأنها مقتصرة على الرجال ، وعدم الإطلاع على الفلسفة لانها تخص الجنس الخشن ، وتصبح المراة بعد العديد من الممنوعات وكأنها غير قادرة الا على التعليم وفي مدارس البنات فقط
بقيت المراة مضطهدة تعاني من الحرمان من الحقوق ومن النظرة الدونية اليها طيلة العهود التي اتت بعد العصر العباسي مرورا بالفترة المطلمة حتى الوقت الحاضر الذي كثرت فيه الدعوات لإنصاف المراة ومنحها ما تستحق من حقوق ، وهؤلاء الداعين انفسهم كثيرا ما تخونهم السنتهم اذ يرددون بعض الأقاويل التي تنتقص من شان المراة وتغمطها حقها ، ان اضطهد المراة شخص رجعي ، فانه يتفق مع قناعا ته في ذلك الاضطهاد ، ولكن الأمر الذي نلمسه بوضوح ان دعاة تحرير المراة ومنحها الحقوق التي تستحقها هم من يبالغون في اضطهادهم للمراة وكأنهم يحيون ازدواجا عنيفا بين أقوالهم وأفعالهم ، وكان حقوق المراة هبات يتفضلون بها عليها ، وكأنها جنس دونهم في الآدمية ، لاتستحق الحقوق التي يستحقونها
تحرير المراة والقضاء على النظرة الدونية اليها يكون بثقيف المجتمع ثقافة ترفع من شان الأفراد وتقضي على التمييز بينهم بسبب الجنس او الدين او القومية ، وإنما تنظر الى الإنسان تلك النظرة التي تعطيه حقه من التقدير ، فيكسب من الحقوق ما يتلاءم مع اجتهاده وكفاءته وحسن تقديره للامور ، لا ان ينظر الى الإنسان بسبب قوميته ، فيستحق العربي التقدير والتبجيل لان القران كان بلغة العرب ، ولا ان تحرم المراة من حقوقها وتعتبر أدنى من الرجل مكانة لان القران قد قال ان الرجال قوامون على النساء ، فان فسرنا الآية حسب ما أراد القران فان القوامة تعني السهر على راحة المراة والاعتناء بها والصرف عليها ، ولا شيء يغمط المراة حقها مثل ان بصرف عليها الرجل ، على المراة ان تعمل وتكسب لتصرف على نفسها ، وهذا ما نجده عند ملايين النساء العاملات اللواتي يشتعلن لإعالة أسرهن وتلبية حاجات افرادها ، ثم بعد ذلك نسمع تلك المقولة التي ما زالت تتردد وكان المراة ما فتئت فعيدة الدار ، ويشقى الرجل ويتعب لإشباع حاجاتها ، الثقافة وإصدار قوانين تعترف بحقوق المراة ومساواتها الكاملة في كل الميادين هو ما نحتاجه اليوم كي تنال المراة حقوقها ، اما الكلام الجميل المنمق عن حقوق المراة والذي لا يرتفع الى مستوى الأعمال فانه قاصر عن تحقيق اي تقدم في هذا المجال
تحرير المرأة بين الماضي والحاضر
كثرت الكتابات التي تبين ما وصلت إليه مكانة المرأة في المجتمعات الإنسانية قبل الإسـلام، سواء بأقلام مسلمة أو بغيرها، كما كثرت الكتابات التي تتحدث عنها في ظل الإسلام، وكل منها يتبنى مواقف مختلفة حسب مرجعيتها، إلا أنها قليلة تلك الكتابات التي قارنت بين حريتها، أو بمعنى أصح بين تحريرها وتحسين وضعيتها في ظل مختلف الحضارات، وبين تحريرها من مختلف العبوديات وإعلاء مكانتها وشأنها في ظل حضارة الإسلام. وبما أنه لا يمكن تجاوز هذا الأمر لتبيين حقيقة وضعية المرأة، وما خسرته حين حادت عن منهج شريعتها، فإنني سأتعرض بإيجاز لذلك.
احتلت المرأة مكانة مهينة في المجتمعات الإنسانية القديمة، حسب معتقداتها وتصوراتـها؛ ففي الهند مثلاً نجد في أساطير «مانو» مثلاً ما يعبر عن وصفها بالدنس ومقارنتها بالباطل، ولم تتحسن النظرة إليها حتى وقتنا الحاضر إلا قليلاً جداً بحكم تمازج الحضارات في المجتمعات الهندية.
وفي اليونان، لم يكن لها أي قيمة تذكر سوى اعتبارها شيئاً ممتعاً للرجل يستخدمه للذته ومتعته، وكانت فاقدة الأهلية كالطفل وغير العاقل، لكن المرأة بدأت تأخذ مكانة مهمة في المجتمع مع وصول الحضارة اليونانية إلى أوجها، وبدلاً من أن تتحرر بوصفها إنساناً كامل الأهلية أصبحت رمزاً للجمال المادي، فانتشر الفساد والإباحية باسم الفن والجمال، وأصبح التحرر مرادفاً للتحلل والفاحشة.
واعتبرت المرأة عند الرومان مساعدة للشيطان، ونفسها لا تقارن بنفس الرجل، فهي وضيعة لا تستحق الخلود في الآخرة.. وكان القانون الروماني يعطي للرجل السلطة المطلقة عليها، التي قد تصل إلى حد التعذيب والقتل، ثم انقلب القانون فجعلها مستقلة استقلالاً تاماً بدون ضابط، فتعدد الزواج والطلاق بصورة مهولة، وأصبح الزنا شيئاً يعترف به القانون، وكانت مهنة الدعارة من أكثر المهن رواجاً حتى بين نساء العائلات العريقة، وبذلك كان التحرر في العهد الروماني مطابقاً أيضاً للتحلل والفساد.
وكانت المجتمعات التي تدين بالمسيحية، تشكك في مجرد إنسانية المرأة، وفي امتلاكها لروح تؤهلها للخلود، وأهدرت كنيستهم شأن المرأة، واعتبرتها ممثلة للخطيئة.. ورغم كثرة الحديث عن الحرية التي ملكتها المرأة الغربية في العصر الحديث إلا أنها لم تستطع بعد أن تأخذ كثيراً من حقوقها، وخاصة في ظل التشدق بحقوق الإنسان والمساواة وغيرها من الألفاظ التي تطبق معانيها بانتقائية، فنجدها مثلاً غير متساوية في الأجرة الوظيفية مع الرجل رغم قيامها بالعمل نفسه، كما أنها تستغل في الدعاية لتسويق مختلف السلع والبضائع، ويستغل جسدها لتشييئه، أي جعله مجرد شيء للاستهلاك، وعرضه حسب قانون العرض والطلب نفسه، وغير ذلك من ألوان المهانة التي تتعرض لها المرأة، والتي تؤكد أن المرأة ما زالت تخضع لرغبات الرجل في عالم تسوده النـزعة الذكورية المستغلة لجسد المرأة.
وفي المجتمعات اليهودية، سُوِّيت المرأة بالخدم؛ لأنها دون مرتبة الرجل، وأجازت شريعتهم لأبيها الحق في بيعها وهي طفلة، لأنها موصومة بطابع الخطيئة البشرية الأولى، كما جاء في سفر التكوين، ولم تتحسن حالتها إلا كما تحسنت حالة مثيلتها في المجتمعات المسيحية، بوصفها عنواناً للإغواء ومتاعاً للذة والمتعة وكل متطلبات الرجل الحسية.
أما العرب، فقد كانوا رغم اتصافهم بالمروءة والشهامة التي تحتم عليهم حماية المرأة وتبويئها مكانة متميزة داخل الأسرة، إلا أن الكثير منهم لم يكن يرحب بميلاد الأنثى، وقد وثق القرآن الكريم طبيعة استقبالهم لها في قوله تعالى: ((وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلاْنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ (8) يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ)) (النحل:58-59)، ويقول تعالى في آية أخرى مقرراً قساوة معاملة الأنثى: ((وَإِذَا ٱلْمَوْءودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)) (التكوير:8-9)، فالمرأة في الجاهلية لم تكن تملك من نفسها شيئاً، فقد كانت تُستعبد وتُذل وتُكْره على البغاء، ولا تستفتى في الزواج، ويظاهرها زوجها، وتعضل إذا كانت أرملة، أو تورث، وغير ذلك من مظاهر المهانة والاستعباد.
من هنا يمكن القول باطمئنان: بأن المرأة لم تجد نفسها وتحتل مكانتها الطبيعية وتتحرر تحرراً كاملاً بوصفها إنساناً مكتمل الأهلية والحقوق إلا في ظل الإسـلام، حيث تحررت من شـتى العبوديات إلا عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأصبحت مؤهلة أهلية تامة غير مقيدة إلا بما حرم الله عز وجل ورسوله، في جميع تصرفاتها وأحوالها الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
بل إن المرأة في عهد الحضارة الإسلامية وعت أن القرآن الكريم يريد أن يجعل منها امرأة قادرة على تحمل الأمانة، فاستجابت لذلك وتكاملت مع أخيها الرجل في حمل أمانة الخلافة على الأرض بثقلها ومسؤولياتها، واستطاعت حماية حقوقها التي منحها الله عز وجل إياها، دون أن تفرط فيها أو تتـنازل عنها أو تتسـاهل فـيها، كما عملت على أداء واجباتـها غير منقوصـة تجاه ربـها أولاً ثم تجاه نفسها وأسرتـها ومجتمعها وأمتها، وعاشت في ظل كل هذا مكرمة ومعززة.
لكن هذه المكانة تسلل إليها الوهن والخلل حين ابتعد المسلمون عن منابع وجودهم، القرآن والسـنة، فساء تصورهم للمرأة ولحقوقها وواجباتها، وسـاء تبعاً لذلك سلوكهم في معاملتها، و«تعدوا حدود الله في ذلك فظلموا أنفسـهم وظلموها وخصوصاً في عصور التخلف، التي بعدت الأمـة فيها – إلا من رحم ربك- عن هدي النبوة ووسـطية الإسـلام ومنهج السلف الذي يتميز باليسر والاعتدال».
فرزحت المرأة في ظل عبودية التخلف والظلم والجهل بعد أن حررها الله تعالى وفتح لها أبواب الحياة للمساهمة في بناء حضارتها أسوة بالنساء المؤمنات في عهد النبوة والعهود اللاحقة له، حين كانت الأمة الإسلامية تقود العالم وتوجهه للصراط المستقيم، ولم تعد المرأة تحتل مكانتها الحقيقية داخل الأسرة والمجتمع.
وفي خضم هذا الوضع المزري الذي بلغته، كثرت الدعوات التحررية وحاولت إخراجها من تخلفها ومعاناتها، إلا أن ابتعاد هذه الدعوات عن امتلاك رؤية نابعة من صميم حضارتها، وإصرارها على ضرورة تقليد النموذج النسائي الغربي من أجل التحرر، أفرز وضعية ماسخة للمرأة، وأبعدها عن معالم الطريق الصحيح، الذي يجب اتباعه من أجل امتلاك ذاتها من جديد، والمساهمة في استعادة مبدأ الخيرية الذي اختصت به هذه الأمة، والعمل بجانب الرجل في تحقيقه على أرض الحقيقة والواقع: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ)) (آل عمران:110)، شرط تحسينها من مستوى أدائها لمنهج الله دون تطرف أو تمييع، وتقديم النموذج الصالح من نفسها لتكون قدوة ومثلاً للانضباط والحزم والتسامح والحوار، لأبنائها والمحيطين بها.

المزيد حول الموضوع