ظاهرة الجفاف



مع اقتراب فصل الصيف يبدو أن ظاهرة الجفاف التي ضربت بعض المناطق العالمية في السنوات الماضية شرعت تطل برأسها من جديد، وفي مرحلة مبكرة جدا.
ليس هذا فحسب، بل أنها شرعت تشدد قبضتها على بعض المناطق بشكل ملح لم يسبق له مثيل من قبل. فبعض موجات الجفاف هذه أخذت تستمر الان سنوات بطولها بدلا من أن تكون على مدى أسابيع أو أشهر أو فصول.
الجفاف فضلا عن قباحته الذي يسبب يباسا ومجاعات ومناظر كئيبة مؤذية بعيدة عن أي مظهر إنساني، له تأثيرات اقتصادية مدمرة على المدى القريب والبعيد خاصة في عالم يعاني من التلوث والتسخين الحراري، وتدني البيئة وتناقص الموارد المائية الصالحة للاستخدام، وانقراض الفصائل الحيوانية والنباتية المختلفة، ومن الانفجار السكاني الذي فاق أخيرا المعدلات كافة منذ فجر التاريخ.
في الولايات المتحدة وحدها الغنية عادة بالمياه سبب الجفاف المستمر منذ عام 1988 خسائر فاقت الـ 40 مليار دولار، اي أكثر بكثير من كارثة الاعصار أندرو عام 1992، وفيضانات نهر المسيسيبي عام 1993، وقبلهما الهزة الارضية في سان فرانسيسكو عام 1989.
وتعاني بعض الولايات الاميركية الجنوبية، ومنها جنوب ولاية كاليفورنيا، من نقص خطير من المياه مما استدعى في الصيف الماضي إطلاق تحذير شامل بضرورة الاقتصاد في صرف المياه وترشيد استخدامها.
ففي الثلاثينات أقيم سد هوفر على نهر الكولورادو ليشكل وراءه بحيرة «ميد» الصناعية، أكبر خزان للمياه الحلوة ربما في العالم. وكان المشروع وقتذاك واحدا من عجائب الدنيا السبع، بغية إرواء المناطق الجنوبية التي تغلب عليها الطبيعة الصحراوية وتعزيز محاصيلها الزراعية. وفعلا أثبت المشروع فائدته الجمة عبر السنوات التي تلت تشييده، لكن صور الاقمار الصناعية التي نشرت قبل أسابيع أظهرت ان مستوى المياه في البحيرة قد انخفض بمقدار الثلث. وإذا استمرت الاحوال على هذا المنوال فإن المنطقة ستعاني من عطش هائل يؤثر على مزروعاتها ووضعها الاقتصادي الهش.
وفي الواقع أعلن الخبراء الاميركيون أنهم لا يدرون ماذا سيفعلون في حال تفاقمت هذه المشكلة، ولاسيما اننا ما زلنا في أبواب الربيع ولم ندخل بعد فصل الصيف القائظ. والحديث هذا يدور حول منطقة واحدة في الولايات المتحدة، فما بال بقية المناطق الاميركية التي تعاني كل منها من شكل من أشكال الجفاف؟
فإذا كان هذا حال الولايات المتحدة فما بال حال سائر مناطق العالم الفقيرة التي ابتليت بالجفاف، هذا العدو القديم الجديد الذي كشر عن أنيابه الكبيرة في العقود الاخيرة.
نعم الجفاف ظاهرة صاحبت العالم منذ القدم، لكنها في السنوات الاخيرة اتخذت شكلا استيطانيا، كما لو أنها استعمرت بقعة ما رافضة مغادرتها. وهناك بعض الامثلة الاوروبية على ذلك في إسبانيا وجنوب إيطاليا.
في القرن الافريقي مثلا أدى الجفاف بين عامي 1984 و1985 الى مجاعات قتلت نحو المليون من البشر. وما زالت المجاعات هناك تتوالى سنويا حتى اليوم، والامم المتحدة تبث النداء تلو النداء مستجدية العالم كله إرسال الاغذية والمساعدات الى الشعوب الجائعة هناك التي كنا نرى على الشاشة الصغيرة صور مآسيها مرتسمة على وجوه أطفالها وشيوخها.
ليس هذه فحسب، بل أن الجفاف أدى أيضا الى زحف الصحراء بشكل ثابت ومنسق على حساب الاراضي الزراعية والمروية بمياه المطر والمياه الجوفية، مما يعني تقلص الرقعة الخضراء بشكل لا يمكن إصلاحها حسب تقارير الامم المتحدة، وهنا الطامة الكبرى.
في هذا الوقت ينهمك علماء الطقس والمناخ في جدل عقيم حول تسمية الجفاف وتعريفه، فالبعض يعرفه بفترة طويلة قد تمتد سنة أو أكثر من تناقص المطر مقارنة بمعدلات هبوطه في السنوات الاخيرة التي سبقت ذلك، مع تعزيز ذلك بالاحصاءات اللازمة.
البعض الاخر يعرف الجفاف بهبوط مستويات المياه في الانهر والبحيرات والسدود، وفي المخزونات الجوفية أيضا، وتأثير ذلك على المحاصيل الزراعية، لكن مهما تعدت التعريفات فإن الكارثة هي ذاتها: «تعددت الاسباب والموت واحد».
الحل؟ لا احد يدري. ربما يكمن في إزالة أسباب التسخين الحراري الذي نعاني منه اليوم، وهي أمر صعب كما يبدو. ولا يوجد في الافق جواب حاسم، وهنا الكارثة الكبرى.

المزيد حول الموضوع