المؤسسات التربوية وأثرها في تربية الفرد والمجتمع



المؤسسات التربوية وأثرها في تربية الفرد والمجتمع (*)
المؤسسة
 من المعروف أن التربية نشاط أو عملية اجتماعية هادفة ، وأنها تستمد مادتها من المجتمع الذي توجد فيه ؛ إذ إنها رهينة المجتمع بكل ما فيه ومن فيه من عوامل ومؤثرات وقوى وأفراد ، وأنها تستمر مع الإنسان منذ أن يولد وحتى يموت ؛ لذلك فقد كان من أهم وظائفها إعداد الإنسان للحياة ، والعمل على تحقيق تفاعله وتكيفه المطلوب مع مجتمعه الذي يعيش فيه فيؤثر فيه ويتأثر به .
ولأن هذا التأثر والتأثير لا يُمكن أن يحصل إلا من خلال المؤسسات الاجتماعية المتنوعة التي تتولى مهمة تنظيم علاقة الإنسان بغيره ، وتعمل على تحقيق انسجامه المطلوب مع ما يُحيط به من كائناتٍ ومكونات ؛ فإن العملية التربوية مستمرة مع الإنسان منذ أن يولد وحتى يموت ؛ وتتم من خلال المؤسسات التربوية الاجتماعية التي تتولى مهمة تربية الإنسان ، وتكيفه مع مجتمعه ، وتنمية وعيه الإيجابي ، وإعداده للحياة فيه . وتُعد هذه المؤسسات التربوية بمثابة الأوساط أو التنظيمات التي تسعى المجتمعات لإيجادها تبعاً لظروف المكان والزمان ، حتى تنقُل من خلالها ثقافاتها ، وتطور حضاراتها ، وتُحقق أهدافها وغاياتها التربوية .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المؤسسات التربوية لا تكون على نمطٍ واحدٍ ، أو كيفيةٍ واحدةٍ طول حياة الإنسان ، إذ إنها متعددة الأشكال ، مختلفة الأنماط ، وتختلف باختلاف مراحل عمر الإنسان ، وظروف مجتمعه ، وبيئته  المكانية والزمانية والمعيشية ، وما فيها من عوامل وقوى .كما تختلف باختلاف نوعية النشاط التربوي الذي تتم ممارسته فيها .
وهنا يمكن تعَريف  المؤسسات التربوية بأنها تلك البيئات أو الأوساط التي تُساعد الإنسان على النمو الشامل لمختلف جوانب شخصيته ، والتفاعل مع من حوله من الكائنات ، والتكيف مع من ما حوله من مكونات.
ويأتي من أبرز وأهم هذه المؤسسات التربوية في المجتمع الأسرة والمدرسة وجماعة الرفاق إلى جانب المسجد ووسائل الإعلام والأندية وأماكن العمل ونحوها من المؤسسات المختلفة التي تؤثر على تربية الإنسان سواءً كان ذلك التأثير بطريقةٍ مُباشرةٍ أو غير مباشرة .
          ومعنى هذا أن تربية الإنسان لا يمكن أن تتم إلا من خلال بعض المؤسسات أو الوسائط الاجتماعية المختلفة . ونظراً لكثرة هذه المؤسسات وتنوعها واختلاف أشكالها وأنماطها ؛ فقد عَرَف المجتمع المسلم عبر تاريخه الطويل عدداً من هذه المؤسسات الاجتماعية التربوية والتعليمية المختلفة التي كانت نتاجاً طبيعياً للعديد من المطالب والتحديات والتغيرات الحضارية التي طرأت بين حينٍ وآخر على العالم الإسلامي . بل إن كل مؤسسة من المؤسسات التربوية التي عُرفت في الإسلام إنما نشأت استجابةً لحاجةٍ وظروفٍ اجتماعيةٍ معينة .

 الأُسرة ( المنـزل ) : وهي الخلية الأولى التي يتكون منها نسيج المجتمع ، كما أنها الوسط الطبيعي الذي يتعهد الإنسان بالرعاية والعناية منذ سنوات عمره  الأولى . وقد حث الإسلام على تكوينها والاهتمام بها لأثرها البارز في بناء شخصية الإنسان وتحديد معالمها منذ الصغر . وتتكون الأسرة في الغالب من مجموعة أفراد تجمعهم فيها ظروف المعيشة الواحدة ؛ وتربطهم رابطةٌ شرعيةٌ قائمةٌ على المودة والمحبة .
وتُعد الأسرة أهم المؤسسات التربوية الاجتماعية التي لها الكثيـر من الوظائف ، وعليها العديد من الواجبات الأساسية حيث تُعتبر بمثابة المحضن الأول الذي يعيش الإنسان فيها أطول فترةٍ من حياته ، كما أن الإنسان يأخذ عن الأُسرة  العقيدة ، والأخلاق ، والأفكار ، والعادات ، والتقاليد ، وغير ذلك من السلوكيات الإيجابية أو السلبية .
وللأسرة وظائف كثيرةٌ ومتنوعة لا سيما أنها تُعنى بتنمية ورعاية جميع الجوانب الشخصية للإنسان في مختلف مراحل عمره . وعلى الرغم من اشتراك الأسرة المسلمة مع غيرها من الأسر في أداء بعض الوظائف التربوية ؛ إلا أن للأُسرة المسلمة بعضاً من الوظائف التربوية المميزة التي من أبرزها ما يلي :
أ ) العمل على تزويد المجتمع المسلم بالذرية الصالحة التي تُحقق قوله صلى الله عليه وسلم : " تزوجوا الولود الودود ؛ فإني مُكاثرٌ بكم " ( رواه النسائي ،  الحديث رقم 3026 ، ص 680 ) . والتي تكون عاملاً قوياً في تحقق واستمرار الحياة الأُسرية ، وضمان استقرارها .
ب ) تحقيق عوامل السكون النفسي والطمأنينة لجميع أفراد الأسرة حتى تتم عملية تربيتهم في جوٍّ مُفعمٍ بالسعادة بعيداً عن القلق والتوتر والضياع . ويأتي ذلك تحقيقاً لقوله تعالى : } وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون َ{ ( سورة الروم : الآية رقم 21 ) .
ج ) حُسن تربية الأبناء والقيام بواجب التنشئة الاجتماعية الإيجابية ، والعمل على صيانة فطرتهم عن الانحراف والضلال ، تحقيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة فأبواهُ يُهوِّدانِهِ ، أو يُنصِّرانِهِ ، أو يُمجِّسانِهِ " ( رواه البخاري ، الحديث رقم  1385، ص 222 ) .
د ) توفير مقومات التربية الإسلامية الصحيحة لأفراد الأسرة عن طريق العناية بمختلف الجوانب الشخصية للإنسان ( روحياً ، وعقلياً ، وجسمياً ) . والحرص على توازنها وتكاملها لما لذلك كله من الأثر الكبير في تشكيل وتكوين الشخصية المسلمة السوية ، والعمل على تفاعلها وتكيفها مع ما حولها من المكونات ، ومن حولها من الكائنات بصورةٍ ايجابيةٍ ، ومستمرةٍ طول فترة الحياة .
هـ ) الحرص على توعية أعضاء الأسرة وخاصة الصغار منهم بكل نافعٍ ومفيد ، والعمل على تصحيح مفاهيمهم المغلوطة ، وحمايتهم من كل ما يُهدد سلامتهم وسلامة غيرهم ، وتعليمهم الأخلاق الكريمة ، والآداب الفاضلة ، والعادات الحسنة حتى يشبون عليها ، ويتعودون على مبدأ التحلي بالفضائل ، والتخلي عن الرذائل .
و ) إكساب أعضاء الأسرة الخبرات الأساسية والمهارات الأولية اللازمة لتحقيق تكيفهم وتفاعلهم المطلوب مع الحياة ، وإكسابهم الثقة بالنفس ، والقدرة على التعامل مع الآخرين .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدور التربوي للأُسرة في عصرنا الحاضر قد تقلص بعض الشيء ولم يعد بنفس المنـزلة التي كان عليها من قبل ، والسبب في ذلك أن هناك مؤسساتٍ اجتماعيةٍ أُخرى تمكنت في العصر الحاضر من مُزاحمة الأسرة والسيطرة على معظم الوقت الذي يقضيه الإنسان تحت تأثيرها ومن هذه المؤسسات وسائل الإعلام التي تُعد بحق في عصرنا أهم وأبرز المؤسسات التربوية الاجتماعية المؤثرة تأثيراً فاعلاً في حياة الإنسان صغيراً كان أو كبيراً ، جاهلاً أو مُتعلماً ، ذكراً أو أُنثى .

المدرسة : وهي من أهم وأبرز المؤسسات الاجتماعية التربوية التي أنشأها المجتمع للعناية بالتنشئة الاجتماعية لأبنائه ، وتربيتهم ، وتهيئتهم ، وإعدادهم للحياة . وعلى الرغم من أنه لا يُعرف متى وأين وكيف ظهرت أول مدرسةٍ في التاريخ إلا أنه يُمكن القول : إنها ظهرت عندما دعت الحاجة إليها . ولعل من أبرز وأهم وظائف المدرسة ما يلي :
* أنها تعمل على تبسيط ونقل التُراث المعرفي والثقافي ونحو ذلك من جيل الكبار إلى جيل الصغار ، أو من المعلمين إلى الطلاب تبعاً لما يتناسب واستعداداتهم وقدراتهم المختلفة ؛ فينتج عن ذلك جيلٌ متعلمٌ ومُثقف .
* أنها تعمل على استكمال ما كان قد تم البدء فيه من تربيةٍ منزلية للفرد ، ثم تتولى تصحيح المفاهيم المغلوطة ، وتعديل السلوك الخاطئ ، إضافةً إلى قيامها بمهمة التنسيق والتنظيم بين مختلف المؤسسات الاجتماعية ذات الأثر التربوي في حياة الفرد فلا يحدث نوع من التضارب أو التصادم أو العشوائية . 
* أنها تقوم بدورٍ كبيرٍ في عصرنا الحاضر حينما تكون في معظم الأحيان بديلاً للأُسرة إذ يتشرب الصغار فيها عادات وقيم وأخلاق وسلوكيات مجتمعهم الذي يعيشون فيه .
* أنها بمثابة مركز الإشعاع المعرفي في البيئة التي توجد فيها ؛ إذ إنها تُقدم للمجتمع كله خدماتٍ كثيرة ومنافع عديدة من خلال نشر الوعي الصحيح بمختلف القضايا ، وكيفية التعامل السليم مع من حول الإنسان وما حوله .
* أنها تعمل على إشاعة الوعي الإيجابي عند أبناء المجتمع تجاه مختلف القضايا الفردية أو الجماعية سواءً كان ذلك بطريقٍ مُباشرٍ أو غير مُباشر .

المزيد حول الموضوع