صناعة اللباس التقليدي المغربي



صناعة اللباس التقليدي المغربي
يضفي شهر رمضان على الوسط العائلي في المغرب ابعادا متميزة لا تمس ما يخص السلوك الديني والروحاني فحسب وانما مختلف مظاهر الحياة العامة بما في ذلك الأنشطة التقليدية التي تبدو متواضعة، بيد انها سرعان ما تسترجع عافيتها في الاسابيع التي تسبق قدوم الشهر الكريم.
ولعل ما يستشفه المرء من خلال تجوله في الأسواق الشعبية وبعض المحلات التجارية المتخصصة في صناعة وبيع الألبسة التقليدية، سواء تلك التي تهم عالم الرجال أو النساء أو الاطفال، والتي تبدو من حيث مواصفاتها العامة متجانسة مع طبيعة رمضان ومختلف الألوان الاحتفالية للأسر المغربية، انها ازياء استطاعت طواعية ان تتقدم على نظيرتها العصرية على واجهة المحلات التجارية، الشيء الذي اضفى على مدن مغربية متباينة المواقع الجغرافية بعدا حرفيا متنوعا لكنه سرعان ما يتشكل في وحدة متجانسة. انه اللباس التقليدي المغربي الذي تراعي تصاميمه خصوصية هذا الموسم الديني، فمن جلباب فضفاض تغيب منه الفتحات الكاشفة الى آخر يبدو في جمالية متميزة سواء من حيث القماش المصنوع منه او الأساليب المعتمدة في خياطته.
وفي الغالب يتم التمييز بين نوعين من الجلابيب: الجلباب الصوفي، ويصنع عمليا من مادة الصوف الخالص او القطن بخطوط مزركشة، والتي قد تغيب منه احيانا لتحل محلها الوان زاهية. وعادة ما يعمد الخياطون الى تبني اساليب متعددة في خياطته، وهي اساليب تفرضها طبيعة القماش ذاته واختيار الزبون، بيد ان ما يطلق عليه بين هواة هذا اللباس بالجلباب الرسمي عادة ما يصنع من مادة الحرير الخالص، ويعمد في خياطته تبعا لتصميمين متباينين: الاول يتمثل بالجلباب التركي او التونسي، ومن بين مواصفاته تشكله من قطعتين من الثوب تشد جوانبها بخيوط حريرية ذات الوان متناسقة، لتمتد الى الجانب الخلفي للجلباب. اما النوع الثاني فيدعى الجلباب الفاسي حيث ظلت تحتكر صناعته مدينة فاس لكنه سرعان ما احتل موقعا متميزا في اكثر من منطقة مغربية نظرا لهجرة حرفيي هذه المهن.
ومن بين مواصفاته ان مستلزماته تستخلص من الصوف دون غيرها من المواد الاولية، وفي الغالب ما تتناسق خياطته مع طبيعة القماش، الشيء الذي يضفي عليه تميزا معينا يتلاءم وهذا الموسم الديني. واللافت ان الجلباب الفاسي في الغالب يستخدم معه نوع من اللباس الداخلي هو ما ينعت بـ«التشامير» وهو عبارة عن لباس شفاف نسبيا لكنه لا يمكن الاستغناء عنه في هذه المناسبة المتميزة.
يقول محمد التازي احد المتخصصين في خياطة اللباس التقليدي المخصص للرجال والأطفال: «عموما تنشط حركة صناعة وخياطة الألبسة التقليدية خلال الاسابيع الاولى من شهر شعبان، وقد تستمر الى ما بعد شهر رمضان الكريم، حيث يلي هذا الشهر كل من عيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوي الشريف. ومبدئيا تبدأ هذه الانشطة مع بداية شهر رمضان، والذي يعتبره الصناع التقليديون ضمان امان لنشاطهم الضارب في عمق التاريخ المغربي».
وفي ما اذا كانت التصاميم المعتمدة في صناعة اللباس التقليدي متجانسة مع دلالات شهر رمضان، يجيب التازي «اعتدنا ان نرتبط بصناعة وخياطة لباس يخضع في مجمله لمقاييس قد نحددها مسبقا او تبقى مفتوحة امام رغبة الزبون، لكن الكل يجمع على ان تكون مناسبة لشهر رمضان وما يحمله من ابعاد دينية وروحانية في ثقافة المجتمع المغربي».
وتنحصر اسعار اللباس التقليدي في نوع اللباس والقماش المصنوع منه ومواصفاته العامة والخاصة، فيما يتراوح سعر الجلباب الصوفي ما بين 350 درهما و500 درهم مغربي، بينما يفوق الجبلباب الفاسي هذا السعر بما يناهز الضعف، حيث ينحصر سعر الجلباب الذي تقبل عليه النساء في حدود 500 درهم، وهو سعر قابل للتحول تبعا للطلب.
وبمناسبة حلول شهر رمضان الكريم نظمت وكالة «سناء كوم» في الرباط عرضا للأزياء المغربية التقليدية للمصممة خديجة مولاطو لقي اقبلال كبيرا من طرف المغربيات اللواتى يفضلن ارتداء الزي التقليدي في هذا الشهر. وقد اشتمل العرض على الجلباب والقفطان والتكشيطة (زي السهرة) بتصميمات مبتكرة واقمشة من النوع الجيد وبخامات مختلفة.

النسيج
ربما كانت صناعة النسيج من أقدم الصنائع التقليدية بالمغرب. فحينما استقر البربر في جبال الأطلس والسهول المجاورة لها، حوالي 1500ق.م حملوا معهم المبادئ الأولية لهذه الصناعة، كما أنهم اكتسبوا من الفنقيين مهارة كبيرة في ميدان صباغة الصوف. وقد عرف هذا النشاط تطورا كبيرا مع الفتح الإسلامي للمغرب في القرن السابع للميلاد.
وقد ساهم اعتناق السكان للدين الإسلامي أيضا في ظهور رموز وصور جديدة خاصة تلك الأشكال الهندسية الدقيقة التي عرف به الفن الإسلامي.
وكانت المنتوجات المصنوعة بالمغرب كالخمار والألحفة والزرابي تستعمل
للمقايضة مع تجار مالي والسينغال والنيجر وعرب المشرق.
وبحكم الدين المشترك أصبح شمال إفريقيا عامة، والمغرب خاصة سوقا كبرى للملابس الصوفية والزرابي والدبابج والحرير والمنسوج .
كما أن التأثير الديني قد حمل معه رموزا وعناصر زخرفية جديدة مطبوعة بخاصية هندسية صارمة بها الفن الإسلامي مع ميل إلى استخدام الألوان الصارخة.
وفي البوادي كان النسيج يساير إيقاع الحياة القروية. تنكب النساء على الحياكة. كما أنهن يتكلفن بغسل المنسوجات المحاكة.تمكنهن من ضمان صداقهن والزيادة من قيمته تتسم الزاربي التي تصنع بالبوادي ببساطة فطرية وبطرافة أشكالها الزخرفية وهي غالبا ما تصنع بواسطة الغرز المنبسطة، وتزينها أشرطة ملونة عرضية وواضحة.

 النسيج الأزياء

إن الأثواب المستعملة في حياكة الملابس في المدينة تختلف عن تلك المستعملة في القرى. فالجو الجبلي القاسي للقرى يتطلب ملابس مصنوعة من أثواب سميكة وغير دقيقة الصنع. لكن ينقص من جمالها ورونقها.
فالحنديرة، مثلا، ملاءة مصنوعة من ثوب خشن وثقيل تضعها المرأة في منطقة الأطلس  المتوسط على كتفيها. إن لهذه الحنديرة شكلا جذابا بفضل تناوب السبائب الملونة والأحادية اللون، وكذلك بفضل زخارفها الكثيرة والمتنوعة.
بصفة عامة. تتسم الأثواب المستعملة في المدينة برقتها وبألوانها الجدابة وهي دقيقة الصنع وآية في الجمال.
أما القفطان الذي كان في بادئ الأمر يستعمل كلباس يومي فقد تطور كي يصبح اللباس الرسمي للمرأة في الحفلات والأعراس وهو مصنوع من الديباج والمخمل المطرز ويرتدى عادة فوق فوقية أو دفينة حريرية من نفس اللون وتتمنطق المرأ فوق هذا اللباس التقليدي الجميل بأحزمة حريرية مطررزة بالحرير الأبيض على شكل ظفائر دقيقة على الصدر تسمى السفينة وسبائب تسمى القيطان.
والتشامير قميص طويل مصنوع من القطن يسمى جابدور، إد هو لبس مع السروال العريض المصنوع من الكتان، وهناك أزياء أخرى تدل على غنى فن حياكة الملابس بالمغرب بل وعلى أصالته وتنوعه . فأزياء نساء بوكماز وإغرم وأيت ابراهيم تبهر بأصالتها وبروعة أثوابها. وكذلك الحايك الأبيض والأزرق الذي فسح المجال بعد ذلك للغزار المستورد والحزام المبرقش والنقاب الأسود المائل إلى الزرقة تلك كلها أشياء تسبي الناظر إليها.

الطرز الديباج

إن فن الطرز فن نسائي يهم الملابس النسائية وتزيين البيوت فحتى البسيطة منه تزين بمخدات وبسط وأغطية الموائد الجميلة وفي أغلب الأحيان تكون هذه التحف من صنع صاحبة البيت أو بناتها.
       يتطلب هذا الفن عناية فائقة ومهارة عالية والصبر من لدن النساء كي يضفي الكثير من التألق والدفئ على الأشياء البسيطة ولك مدينة اختصاصه في مجال التطريز ففي الرباط تشغل النساء بالغرزة  المسطحة في حين تبنت نساء كل من فاس ومكناس وسلا غرزة تشبه إلى حد ما الغرزة المتقاطعة ولكن  النساء عامة أصبحن يتفتحن على أشكال عصرية مستوردة.
       يساهم الطرز كثيرا بالإضافة على استعماله لتزيين البيوت في زخرفة منتوجات الصناعة التقليدية. فالتطريز بالخيوط الذهبية أو الفضية أو الحريرية الذي يحيط  بفتحة صدر القفطان أو كمامه.يستعمل كزي للمناسبات الكبرى وعنصرا هاما من جهاز العروس. كما أنه يستعمل لتغطية مساحة تلك الاحزمة الجدابة التي احتلت مكان الأحزمة الثقيلة والعريضة المصنوعة من الديباج.
      
ما زالت حرفة صناعة الجلباب الرجالي و حتى النسائي تشكل رحلة في التاريخ المغربي الأصيل للباس، و الجلباب صورة فنية لفترة زمنية قوية في ذاكرتنا، ترمز للأصالة المغربية.و بعد الحديث في يوم رمضاني مع الصانع التقليدي محمد ابن رابح سيكشف لنا بعض التراجع الكبير في أسلوب  خياطة الجلباب و الزي الأصيل ، و هذا إلى جانب كيفية قضاء أيام الصيام و لياليه داخل محل تؤثثه إبداعات تقليدية للمصانع بن رابح ..
ج . يرجع تاريخ الجلباب المغربي لمئات السنين ، و أقصد هنا الجلباب الحر الأصيل ، و أي زمن ليس بالبعيد ظل يحافظ على طابع اللباس التقليدي بالصنعة اليدوية مع استعمال خيوط " الطراسن " و " السفيفة " و " العقاد " و "الملف" ، و الظفائر الحريرية المعروفة في خياطة " القفطان " كلباس مغربي تقليدي عتيق .. و كان و لا يزال – لكن إلى حد ما – يعتز بتاريخ وأمجاده التي تختزل ثقافة حبلى بالقيم الجميلة ، و على العموم كانت الخياطة التقليدية حرفة شريفة حتى اليوم ..
س . و هل فقدت الحرفة طابعها مع تقدم العصر ؟
ج. بالأمس القريب كان " الصنايعي " الحقيقي من يمارس فعلا حرفته تقليدا و أصالة كان يكن لها كل التقدير باجتهاده في عصرنتنا ، و إصراره على الحفاظ على أساليبها و تقنياتها التقليدية ، و حلت الثمانينيات ، و أصبح كل من هب و دب يزاحم الصانع الخياط ، فالتاجر متى يفرغ دكانه من المواد الغذائية ، يستقطب حرفيين و يشغلهم و هم لا يعلمون قواعد الحرفة ، بل يمكن تصنيفهم بين من يعتدون على عالم ليس من عالمهم فقط من أجل الكسب .. و هكذا أصبحت حرفة الخياطة تسير نحو التدهور و التقهقر..

المزيد حول الموضوع