نقد العقل المسلم


بقلم : عبد الحليم أبو شقة


والعقيدة وما يتبعها من عبادات وأخلاق هي جوهر الدين وأساسه ، ليس في الكيف فحسب بل هي كذلك في الكم أيضا ، إذ تمثل تسعة أعشار الدين، وأما العشر الباقي فهو مجموعة من الأحكام ذات الجوهر الخلقي لتنظيم وضبط بعض نواحي الحياة الاجتماعية ذات الصيغة الثابتة ، والتي لا تتغير بتغير الزمان والمكان في القليل النادر0

ولكن ونحن نحاول المحافظة على قيمنا ، وفي نفس الوقت نحرص على اقتباس النافع من غيرنا كيف نفرق بين ما يسمى الغزو الفكري وبين التفاعل الحضاري (أي بين التغريب والتحديث)؟0

الغزو الفكري هو فرع من الغزو الاستعماري ، وهو نوع من التشويه الفكري ، مقصود به تهيئة البلاد المستعمرة المتخلفة للاستمرار في حالة التخلف والخضوع للاحتلال والسيطرة الخارجية0

الغزو الفكري :
يعني انتقاء المستعمر لنواحي فكرية منحطة من حضارته ، فيقدمها بغية تحقيق هدف استعماري ، وهو يختار ما يهدم لا ما يبني ، وإن كان ولابد من قدر من البناء تحت الضغط الجماهيري فهو محدود أيضا بالهدف نفسه ، وهو يمكن المستعمر من تحقيق أكبر كسب من تلك الصور والمنحطة0
والمستعمر هنا سلبي يتلقى ما يلقي إليه ، دون اختيار أو تمحيص ، بينما التفاعل الحضاري :
جهد إيجابي شاق في الدراسة والبحث والتمحيص فيما لدى الحضارة الأخرى ، ثم في الاختيار والانتقاء ثم في التأقلم والتكيف مع خصائص حضارتنا الأصلية ، ومع ظروف بلادنا0
التغريب يعني :
قبول ثقافة الغرب قبولا مطلقا بخيرها وشرها وحلوها ومرها 000
والتحديث :
هو الاختيار الجاد لأحسن ما في ثقافة الآخر ، لتعمل في وحدة مع أحسن ما تراثنا لبناء حياتنا الحديثة ، وبذلك نحافظ على شخصيتها كأمة لها تاريخ ولها رسالة على مستوى العصر ، بل في أرقى مستوى للعصر0
ومن سلبيات الخلط بين الغزو الفكري الاستعماري السلبي وبين الحضارة الحديثة ـ نشوء هذا الحاجز الضيق بيننا وبين الفكر الإنساني ، وتعميق التصور الخاطئ للعلاقة بين الحضارات ، فإما أن تبدو كعبودية من حضارة لأخرى ، أو كخصومة وانفصال تام بينهما0
على أنه إذا حدث اقتباس من حضارة في ظل التصور الخاطئ ، فإن المقتبسين أنفسهم أو من حولهم لابد أن تخالفهم شعوريا بالاستخذاء والزلة، وكأنهم يقومون يعمل مهين ، بحيث نستطيع أن ننتشل هذه الحضارة من الحياة الآلية ومن الفراغ الروحي الأليم ، إنها مسئولية جسيمة ، ولكن القيام بها ممكن جدا0
وهنا تفرض قضية الاستشراق نفسها ، فالمستشرق ينتمي إلى بيئة لا هي إسلامية ولا هي عربية ، لذلك يثير في نفوسنا دواعي الانتباه حين نقرأ له ، سواء في الفرق الإسلامية أو في أعلام الفكر الإسلامي ، أو غير ذلك من موضوعات تخصنا ، فهو يتكلم بروح ليس لها موقف تقليدي من هذه الفرق أو من هؤلاء الأعلام000
وهذا ـ في الحقيقة ـ من الحسنات ، أنه يعرض هذه افرق وهؤلاء الأعلام من زاوية لا تتفق كثيرا لأتباع هذه الفرق والمعجبين بهؤلاء الأعلام0
ولأن المسلم منا ينظر بعين العطف إلى أبناء مذهبه الديني وبعين الإشفاق إلى أبناء المذاهب الأخرى ، ومن ثم يصعب عليه عند إرادة البحث العلمي ، الذي لا يعرف العطف ولا الإشفاق ، أن يتخذ لنفسه موقفا يخلو من أي منهما 0
وفوق ذلك قد يتيسر للمستشرق كثير من سعة الأفق الفكري وغزارة المنهل الذي يستمد منه معلوماته ، وذلك لكثرة ما يعرف من لغات 000 فمثلا : قد يحذق ثلاث لغات حديثة كالإنجليزية والفرنسية والألمانية ، وهذه وعاء الثقافة الحديثة 000 وقد يحذق أيضا لغات قديمة مثل الإغريقية واللاتينية ، والأولى تأثر الفكر الإسلامي بتراثها في مرحلة من مراحله ، والثانية عندما تفوق الفكر الإسلامي نقلت عنه وقامت إلى جانبه حتى نهاية العصور الوسطى وبداية النهضة الدبية الحديثة 000 فلا شك أن بعض ما يرد ذكره في التراث الإسلامي يجده أيضا لديه في إحدى هاتين اللغتين أو في كلتيهما 0
وقد يعرف المستشرقون أيضا لغات شرقية مثل العربية والفارسية ، والأولى هي الوعاء الأساسي للفكر الإسلامي ، والثانية اشتملت على التراث إسلامي لا يستهان به ، ولا سيما في مجال التصوف 0
ولا ننسى أن نشير في هذا السياق إلى أنه قد شاع بيننا ـ وبحق ـ أن كثيرا من كتابات المستشرقين يعتريها الخطأ من نواح ثلاث:
1 ـ الهوى والغرض أحيانا0
2 ـ عدم الإدراك أو التذوق لمعاني الألفاظ العربية أحيانا أخرى0
3 ـ ضعف التحري والاستقصاء العلمي أحيانا0
وقد يعني ذلك عند بعض منا أن نهمل كتاباتهم ، ولكن إذا كانت تلك عيوبهم ـ على أنهم يتفاوتون فيها ـ فهناك مميزات كثيرة تدعونا إلى أن نقرأ لهم ، وإنها لخسارة كبيرة أن نحرم أنفسنا من هذه المميزات 00
13 ـ إذا كان هدي الله للإنسان في أمور الغيب يأتي كاملا شاملا مفصلا ، حيث لا يستطيع العقل أن يكمل أو يزيد أو يفصل ، وإنما يتلقى يقظا واعيا دون قهر أو تخبط ـ فإن هدى الله في أمور الشريعة في غير العبادات يأتي ليقرر قواعد عامة وأحكاما محدودة أشبه بمنارات على الطريق ، لكنه لا يرسم الطريق ، فالطريق نحن نرسمه بعقولنا ـ مهتدين بهدي ربنا ـ وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا 000" (رواه مسلم)0
إن أصحاب العقل الذكي الواعي المتأمل هم الأرض الطيبة ، يقبلون ويمتزجون بالواقع و حاجاته ، كما يمتزجون بعلوم العصر ومعارفه، ثم يخرج منهم إلى الناس الخير الكثير ، فيعمرون به الأرض ويصنعون النظم ، ويقيمون الحضارة أما عقول الحفظة والنقلة فمثلها مثل الأجادب من الأرض 0
واجتهادات عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ خير مثال على الإعمال المنضبط للعقل في فهم الشرع وتنزيله على واقع الناس0
إ عقل المؤمن عرضة أحيانا للوقوف أو التوقف ، وذلك أن جلال الدين ومقام النبوة قد يغلبان المؤمن على عقله ن فيتوقف حيث لا ينبغي له التوقف ، مثل ذلك ما قاله أبو بكر يوم حدثه عمر في جمع القرآن ، قال أبو بكر : أفعل أمرا لم يفعله رسول الله !!! وظل عمر يعرض رأيه حتى شرح الله صدر أبي بكر فوافق
مثال ثان : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي المؤلفة قلوبهم من الزكاة ؛ تأليفا لهم ومنعا لشرهم ، ثم أعز الله الإسلام وقويت شوكة المسلمين ، ولكنهم ظلوا يعطلون المؤلفة قلوبهم وقوفا منهم عندما كان يفعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنه ـ نظر في دوافع فعل رسول الله ، فوجد أنها قد زالت ، إيقاف ما كان يفعله رسول الله ثم أقره أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ (انظر فقه الزكاة ليوسف القرضاوي ، 60)0
وهذا مثال ثالث : فتح المسلمون أرض السواد (ريف العراق) عنوة (أي بالقوة والغلبة) فقال فريق من المسلمين : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسم أرض خيبر فتجب القسمة ، وطالبوا الخليفة عمر بالوقوف عند سنة رسول الله ، لكن عمر بجرأة قلبه وعقله لم يقف جامدا عند حادثة خيبر ، بل نظر بعيدا ، وقال : إن قسمتها بينكم فما يبقى لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ (انظر سير عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص66)0
لم يقف عمر موقف أصحابه ن بل ربط سنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بظروفها ، ورأى ظروفا جديدة ، فمضى بسنة جديدة من باب البدعة الحسنة ، وهكذا يتضح أن التوقف فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون فهم المبررات الموجبة له ، ودون النظر في مقدمات الموضوع ودواعيه ونتائجه ، أمر شديد الخطر ؛ لأنه يعطل عمل العقل الذي كلفه الله بالنظر والبحث والتبين ، وإذا تعطل العقل ج الإنسان لا على الحق والخير ، بل ربما استدبر هدى الله وهو يحسب أنه يستقبله 0
وما أحوج المسلمين اليوم لعقل جريء : يتحرى هدي الله ، ويثبت جلال الدين وغايته ، ومقام النبوة وعظمته ، فلا يسرع بالتوقف حيث ينبغي المضيء ولا يقف عند نص حيث ينبغي اجتهاد جديد في دلالة النص وفي ظروف النص ، على أن يكون له من تقوى عمر ومن فقه عمر نصيب0

تصورات أولية لإعادة تشكيل العقل المسلم
يتراوح تشكيل العقل بين ثلاثة محاور أساسية هي :
أ ـ محور تغيير الإدراك وأنماط التفكير ليصبح تفكيرا منهجيا سليما (تغيير الوعاء)0
ب ـ محور التنوير بمعلومات ومنهجية عن الشرع والواقع (تغيير المحتوى) 0
ج ـ محور التلاقي والتفاعل بين ما سبق بغية بلورة تصور للتغيير والبدء بالتنفيذ0
وليست هذه المحاور مستويات ولا درجات ولا مراحل ، ولكنها أبعاد للصور فقط ، وعلى هذا أعتقد أننا لتغيير الإدراك نحتاج دراسات مناسبة في علم النفس وعلم الاجتماع وأصول الفقه وعلوم اللغة العربية وآدابها وقراءة النص فيها0
أولا : فقه الواقع :
أ ـ حاضر الأمة (خاصة المناطق إيران ـ تركيا 000)
ب ـ حاضر العالم وتاريخه : خاصة عالم المستضعفين : أفريقيا وآسيا، وعالم المستكبرين ، دلخخلمثراسة ملامح العصر الحضارية ومراحله0
ج ـ حاضر الحرية وماضيها وخبراتها ، والتعدد داخل الحركة الإسلامية وأسبابه وكيف تتعامل معه ونستفيد منه0
د ـ حركات التغيير المختلفة ، خاصة لدى المسلمين ، خبراتها وتجاربها ، مثلا نقابة تضامن البولندية0
هـ ـ مفاتيح العلوم :
مبادئ علم السياسة 0مبادئ علم الاقتصاد 0مبادئ علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية0مبادئ علم التربية0مبادئ علم الإعلام والاتصالات0
ثانيا : فقه الشرع : ـ السيرة ـ الفقه ـ التفسير وعلوم القرآن ـ علم السلوك والأخلاق0
من عوامل اليقظة :
ومن أدوات اليقظة العقلية التي تأمل في تحقيقها في حياتنا المعاصرة ، ليحدث النهوض على كل المستويات ما يلي :
أ ـ تعزيز موقع "العقلية العلمية" في مجتمعنا ، فهي العقلية التي يتطلبها العصر الذي نعيش فيه ولا سبيل للحياة على مستوى العصر دون أن نتلبس بهذه العقلية 0
وقد يقال إننا لا نأتي هنا بشيء جديد ، فما أكثر ما ندعو إلى العلم ، ونعلن إيماننا ، ولكن بين هذا الإعلان وتلك الدعوة وبين القيام بفروضها مدى واسع 0
وأول ما تفرضه هذه العقلية يقع في صميم شخصية الفرد ، وجوهره الإيمان الصادق بالحقيقة ، والعزم على احترامها ، والعمل لرفع لوائها وتغليبها على سواها 00 وليس هذا الأمر السهل ، فسبيل الوهم أوسع وأيسر من سبيل الفهم والإدراك ، وتتبع الحقيقة يقتضي من الجهد أكثر مما يقتضيه اتباع العادة واتخاذ التنازل عن مصلحة أو الإعراض عن هوى أو التخلي عن تقليد متبع ، وهو يتطلب فوق ذلك نقدا صريحا للذات ومحاسبة مستمرة للنفس0
وكل هذه الفروض عسيرة لا تأتي بالطبيعة ولا تجاري السلبية ، بل تحصل بفعل قناعة مستحوذة وإيمان مستأثر ، ثم نتيجة ما تفرضه القناع والإيمان من جهد ومن تضحية000
والنهضة العلمية هي الصفة الأولى المميزة لحياتنا الحاضرة ، بل هي الحقيقة الكبرى التي يجب أن نتفهمها ونسعى إلى امتلاك ناصيتها ، إذا أردنا أن نكون من أبناء هذا الزمان ومن بناة الزمان الآتي00
وهناك طرق ووسائل عديدة تمثل المقدمات الضرورية لكسب الروح العميق 0

مثل :

الإطلاع على دراسات واضحة ومبسطة ، تعطي صورة عن تطور التفكير الإنساني دون الدخول في منعطفاته الصعبة ، وربما يحسن تجنب الميتافيزيقيا المسرفة في الخيال والأوهام0

دراسة النهضة العلمية الحديثة (تاريخها ومقوماتها ونتائجها)0

الإقناع بأن الروح العلمية ستكون شيئا نافعا لنا ، ولا يمكن أن تؤدي إلى إضعاف رباطنا بالإسلام إلا أسأنا فهمها

وتؤكد هنا أن أكبر خدمة يقدمها رجال الفكر هي ألا يقولوا غير الأشياء التي يقبلونها وتقبلها ضمائرها ؛ لأنهم أعملوا الروية فيها ، وعملوا طويلا على إيضاحا وتحفظا تلك القاعدة (التي توصي ألا نقبل شيئا ما لم يتبين لنا أنه كذلك) من كل تعجل واستباق ، وهذا يحتاج إلى الإيمان بروح الدقة والتحري والانغماس في حب العلم ، وهي الروح التي كشف عنها أبو حامد الغزالي في المنقذ من الضلال0 حين قال " لم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ ـ قبل بلوغ العشرين ـ وإلى الآن ـ وقد أناف السن على الخمسين ـ أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمراته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لأميز بين محق ومبطل ،لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، ولا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبيه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته ، وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديداني من أول أمري ، وريعان عمري ، غريزة وفطرة من الله تعالى وضعها في جبلتي لا باختياري وحياتي ، حتى انحلت عني رابطة التقليد ، وانحسرت عني العقائد الموروثة على قرب عهد بسن الصبا " (المنقذ من الضلال : ص 328 ـ 329)0
ب ـ حب القراءة والبحث والاطلاع ؛ وهذا الحب يفرض علينا أن نقف مع الإسلام في صف العقل والعلم مواجها ورافضا الخرافة وتعطيل التفكير ، فقد رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلا يسوق بدنه فقال "اركبها" فقال إنها بدنه قال " اركبها ويلك" (رواه البخاري)0
وكان الناس في الجاهلية يطوفون بالبيت عرايا ، بما يناقض العقل والفطرة ، فجاء الشرع بتحريم ذلك ، وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن ينادي في الناس في العام التاسع للهجرة :"لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان" (رواه البخاري)0
وكانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ، ولكن من ظهورها فنزلت الآية الكريمة : (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) (سورة البقرة:189)0

وحين مات إبراهيم ابن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خسفت الشمس فقال بعض الناس إنها خسفت لموته ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم " (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ) أخرجه البخاري ومسلم0

وحين نقف مع الإسلام في صف العلم والعقل سنجمع بين هدي الوحي وإرشاد العقل ، والوحي هو النور الذي يضئ الطريق ، والعقل هو الذي يسعى إلى صواب الاتباع ، مستوثقا من صحة الطريق0

والوحي ليس عصا سحرية تعمل كل شئ وحدها : أي بمجرد إيمان الإنسان تتحول حياته كلها إلى نعيم أو قوة أو حتى إلى استقامة0

يقول تعالى : (الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) سورة البقرة 257

وهذا الإخراج إلى النور ليس مثل خروج إبراهيم ـ عليه السلام ـ من النار سالما ، إنما هو خروج يقتضي عملا متتابعا من العبد وسعيا دءوبا في مرضاة الله تعالى ، حتى ينطبق عليه قوله تعالى : " والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم)سورة محمد 17 0

إن من العمل الواجب على العقل وهو يقرأ أو يطلع : التفكير فيما يعرضه الله سبحانه وتعالى من حجج فلإيمان ، فإذا آمن فعليه أن يتبع الوحي المنزل ليهتدي به ويعمل بمقتضاه ، وهذا الاتباع يقتضي فهما صحيحا للنفس أولا ، ثم تطبيقا صحيحا على الواقع ثانيا ، ثم استمرار النظر في النص لفهمه في ضوء الخبرات الجديدة 0

وكذلك الحال في الدعاء والجهد البشري لا غنى لأحدهما عن الآخر ، ولا يناقض أحدهما الآخر ، بل يتكاملان ، والدعاء ثابت من ناحية ومتجدد من ناحية ، بمزيد من الإخلاص والضراعة والإلحاح ، والتكرار دون يأس ودون استعجال ، والجهد متغير متجدد كذلك0

إن فك الاشتباك الموهوم بين العقل والنقل ، سيبدو في هذه اللحظة أمرا ضروريا ، وعاملا مهما من عوامل اليقظة العقلية للمسلمين ، فالمسلم هنا بين أمرين ؛ إما أن يقبل العقل ويتهم النقل ويرفض حكمه ، وإما أن يقبل النقل ويتهم العقل ويرفض حججه0

ولو أن المسلم أعمل عقله كما ينبغي له ، فيمحص المصدرين ، وينظر ويتأمل في صريح العقل وينظر ويبحث في صحيح النقل ـ أقول إن المسلم لو فعل ذلك لظهر له وجه الحق ، وهو ؛ إما أن يكون النقل صحيحا بينما حجة العقل ضعيفة واهية ، وإما أن يكون النقل ضعيفا سندا أو متنا ، وربما أصاب الضعف كليهما معا0

والنقل الصحيح المقصود هنا هو "الوحي" أي النقل المضبوط عن الله تعالى أو عن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)0

أما النقل عن الرجال فهو اجتهاد منهم يسمى عقلا ولا يسمى نقلا0

ومن الأمور التي تظهر فيها التعارض الموهوم بين النقل والعقل ؛ حظر تعليم المرأة وعملها ولقائها مع الرجال في مواطن الجد والخير ـ وهذه كلها يؤكد العقل والتجربة فائدتها وحدودها 000 والنقل الخاطئ سندا أو متنا يرى غير ذلك والحق أن النقل الصحيح يقبلها ويرد النقل الخاطئ0

أما الطلاق وتعدد الزوجات فالنقل الصحيح يقبلها (بشرطهما وآدابهما) 0

والعقل الصحيح كذلك يقبلهما0

الخلاصة : إن ما ينكره العقل يحجج صحيحه يرده النقل الصحيح ، أي أن كثيرا من العادات السيئة والتقاليد الضارة والمفاهيم الخاطئة ينكرها العقل ويردها النقل0

ورحم الله ابن تيمية أن أخرج كتابا كبيرا للناس أسماه (ردء تعارض العقل والنقل) ومما قاله : إن صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول0

والعقل المتحرر لا يتم تحرره بغير القراءة المتفتحة على عالم الأفكار ـ كل الأفكار على اختلافها كما أن هذا العقل المتحرر لا يكتمل تحريره بغير الحوار مع المخالفين ـ سيأتي عن الحوار تفصيل أكثر فيما بعد0

والنصيحة التي نتوجه بها إلى أهل العلم وطلبته من قومنا ، هي أن نقول لهم : أعملوا عقولكم مع تقوى الله ومع كامل الحرص على اتباع هدى الله0

أولا : في استيعاب النصوص المتصلة بالموضوع الذي تدرسونه 0

ثانيا : في تمحيص النصوص لاستبعاد الضعيف0

ثالثا: في استخراج الدلالات العميقة التي تحتويها النصوص 0

رابعا: في نقد النصوص:

ـ هل هناك تعارض بين النصوص وبعضها بعضا؟ وهل من سبيل للجميع بينهما عند التعارض؟

ـ هل هناك تعارض بين النصوص الظنية وبين القواعد الشرعية الكلية القطعية؟

خامسا : في تنزيل النصوص على الواقع:

ـ مع دراسة عملية وميدانية إحصائية للواقع0

ـ هل تطبيق النص يعطل مصلحة راجحة (قطعية) بطريقة علمية فيقيد أو يخصص بدل أن يعمم ، أو يعطل تعطيلا مؤقتا0

ج ـ والعامل الثالث الذي تتحقق به اليقظة هو : اتهموا آراءكم فلعلها في بعض جوانبها تخلف هدى الله وأنتم لا تشعرون ، راجعوا عوائدكم وتقاليدكم وما ورثتموه عن أجدادكم راجعوها على هدى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإياكم واتباع سنن من قبلكم حيث قالوا {إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون}(سورة الزخرف23) ولا يصرفنكم عن المراجعة أقوال قالها رجال كرام أجلاء بل أئمة أعلام ؛ فالرجال مهما جلوا ولأئمة مهما سمت منزلتهم غير معصومين000

وهم أنفسهم قد أكدوا أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم0

وفرق كبير بين الأصل الصحيح من كتاب أو سنة وبين القول الشائع ، فقد يكون ذيوع القول على غير أساس متين ، بل قد يكون مخالفا للأصل الصحيح0

د ـ حفظ العقل الذي هو من الضروريات الخمس المقررة في أصول الفقه ، وترد نصوص الشرع مؤكدة حماية العقل ، ومن أمثلة تحريم الخمر لأنها تذهب العقل0

إلا أن هناك درجات أخرى من الحفظ كما يلي : فضلا عن حفظ وجود العقل فهناك حفظ كماله ؛ أي أن يكون في أحسن حال ، فإذا كان الموت يذهب بالنفس ، فالأمر تذهب بكمال هذه النفس ، سواء أكانت أمراضا بدنية أم أمراضا نفسية0

وكما يقتل من قتل نفسا بغير حق فألغى وجودها ، فكذلك يحد أو يعزر من تسبب في مرض نفس أو عجز نفسي أو نقصها0

ومن ذلك العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص00 وهكذا أية إصابة متعمدة تصيب البدن يسأل صاحبها ويعاقب لأنه أساء لهذا البدن0

وكذلك العقل كما يجب حفظه من الضياع ، كذلك يجب حفظه من سلامة الغذاء الذي يطعمانه حتى يوفر للبدن الصحة الكاملة والنشاط الكامل ـ كذلك يسألان ويحسبان على مدى سلامة الغذاء الذي يوفرانه لولدهما ، حتى يصح عقله مهتديا مستقيما تفكيره ، وهذا ما يسمى العلم الضروري 0 وانظر ما أشار إليه الحديث : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " (رواه ابن ماجة)0

والعلم الضروري يشمل معرفة الواجبات والمحرمات ، حتى يفعل المسلم الواجبات ويتجنب المحرمات ، لذا ينبغي تحديدا ما هي الواجبات الشرعية وكما أن الصلاة واجبة فالتبين واجب وسؤال أهل العلم واجب عند عدم المعرفة0

هـ ـ تجديد الدين : عن أبي هريرة قال "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " (رواه أبو داود والحاكم في المستدرك والبيهقي وورد في صحيح الجامع الصغير وقال المحقق صحيح) ـ سيأتي مزيد كلام حول التجديد0

والتجديد يستوجب تحديث الفكر(العقل) وإطلاع على منتجات العقل البشري في كل مجال ، حتى يتحقق تنزيل الشرع على الواقع 0 ولعل النظر في آيات الله الكونية مجال متجدد لتنشيط العقل وتحديث الفكر0

وتحديث العقل المسلم ينتج عن تحديث الفهم الإسلامي للنصوص ، وذلك بالتعامل مع النصوص الثابتة القديمة بفهم حديث ، يستصحب الوصل والكليات الإسلامية0

و ـ لا يتناقض موقفنا من المتمسكين بالتراث غثه وسمينه مع دعوتنا الأكيدة للعودة إلى الينابيع والأصول (القرآن والسنة) فهما وحدهما المصدران الأصليان النقيان الصافيان ، بينما غيرهما من آراء وأقوال اجتهادات في فهم النص ، وكلها عرضة للخطأ والصواب ، وليس من بشر معصوم غير الأنبياء عليهم اسلام0

ز ـ الالتزام الصادق بأمر الدين الذي يريد من العقل : أن يكون يقظا ، أي أن يكون فاحصا ناقدا ، وأن يعمل بكل قواه ، وليس مجرد افدراك الحسي القريب الشبيه بإدراك الدواب ، ولا الإدراك المشوب بالأوهام ، ولكنه إدراك يميز بين الحقائق وبين الأوهام ، يستوعب العلاقات القريبة والبعيدة ، كما يستوعب العلاقات الحقيقة لا المتوهمة0
فإذا تيقظ العقل كان أول عمله أن يتلقى دين الله عن رسله بالقبول ، فيسلم ويؤمن ، فإذا أسلم وآمن تلقى من الإسلام والإيمان هدى يتمثل في منارات تنير له الطريق ، وضوابط تضبط عمله0
ح ـ الوعي بعصرنا وبواقعنا وبالعلم من حولنا ، بقضايانا ومشكلاتنا الفكرية والعلوم والمذاهب المعاصرة ، والتفاعل الجاد بين التراث والفكر والعلوم الحديثة وواقعنا الخاص0
ط ـ التفكير إذا مورس في الخفاء لن يكون له أثر كبير، بل سيصبر مثل العادة السرية (كما قال أحدهم) أي بلا نتيجة معنوية (صحية نفسية) وبلا نتيجة مادية (أي الحرمان من الإنجاب) وخروجا من هذه السرية فينبغي على الدولة كما تدعم الخبز أن تدعم رغيف العقول (كما قال أحدهم) فالتخلف كما يكون بالجوع يكون بالجهل ، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، وإنما به وحده يحيا الحيوان 0
ك ـ الجهد البشري هو عماد الحركة على الأرض ، والإيمان في قلب المؤمن يوجه ويدعم الجهد البشري ، ويدفعه ليخترق الأهوال ، ويكابد الصعاب ، ويعالج الأزمات ، والإيمان في حياة المؤمن قوة دافعة تزكي الجهد البشري وتطهره من الأهواء والانحرافات، ولا يغني الإيمان صاحبه عن الأخذ بالأسباب0
ل ـ وأخيرا فإن من عوامل يقظة العقل المسلم صيانة العقول من البرمجة (والشبيه ببرمجة الحاسب الآلي) وذلك بما يلي :
*بقواعد ومنهج تفكير منتج لا مجرد أفكار متطايرة مهما كانت صحيحة0
ـ وسيأتي الفصل الثاني خاصا بخطوات عامة لهذا المنهج0

نقطة منهجية أساسية تقاوم البرمجة ، وهي الاستماع إلى رأي المخالف ومنهجه (قراءة أو مشافهة) وقد تؤدي البرمجة الراسخة إلى سوء الاستماع ، وسوء الفهم ، وسوء التأويل ، وتهميش التقاط الإيجابية ، وتقليل شأنها ثم نسيانها، لذلك لابد من الحوار ـ وهو ما سنعرض له موضع آخر من هذا الكتاب0

كتب مساعدة على اليقظة العقلية :
هناك كتب وجهود فكرية عظيمة تساعد على اليقظة العقلية ، مثل :
ـ مقدمة ابن خلدون0 ـ كتابات مالك بن نبي 0 ,ـ أصول الفقه محمد أبو زهرة0ـ فتاوى معاصرة يوسف القرضاوي0ـ دستور الوحدة الثقافية الغزالي0
ـ مشكلات في طريق الحياة الإسلامية الغزالي0ـ رسالة القرضاوي حول التكفير0ـ رفع الملام عن الأئمة الأعلام ابن تيمية0ـ تجديد التفكير الديني محمد إقبال 0ـ مقال عن المنهج ديكارت0ـ نقد العقل والخالص إيمانويل كانت0
شخصيات :
وهناك أيضا شخصيات يفيد تتبع مسارها الفكري ، ومنهجها في إنتاج الفكر على إيقاظ العقل المسلم ، ومنهؤلاء:
محمود شاكر محمد الغزالي القرضاوي طارق البشري محمد عمارة كمال أبو المجد0

وهنا ننبه إلى أننا حين نسعى إلى ضبط مسيرتنا فلن يكون الهدف من ذلك هو التمجيد أو التجريح ، إنما هو الدراسة والتحقيق ، أي سير الأغوار والبحث في الأعماق عن جذور بعض ظواهر الفكر الإسلامي ، العمل الإسلامي والحركة الإسلامية ، ويحركنا في هذا الاتجاه أن الفكر الإسلامي ليس هو الإسلام إنما هو اجتهاد المسلمين في فهم الإسلام وتطبيق الإسلام ، وإذا كان الإسلام حقا كله ثابتا خالدا ، فالفكر الإسلامي فيه الصواب والخطأ ، وفوق ذلك فهو متغير متطور ، وإن التزم الإسلام واستنبط من أصوله0
ومع ذلك فإن وحدة الفكر هي بداية الوحدة الصحيحة ، وأي وحدة أو التقاء أو تعاون دون وحدة فكر ، إنما هي وحدة أشتات وأخلاط لا تلبث أن ينفرط عقدها من أول اختيار0
ينبغي دراسة الاتجاهات والتيارات والحركات واستخلاص المخرجات النهائية لها ، ومعرفة الآثار المتبادلة بينها وبين القدرات والإدارات المحلية ، سواء كانت آثارا إيجابية تثمر امتلاكا لقوى الأمة ؛ ومن ثم انطلاق تلك القوى في عملية بناء الأمة ـ إن خلصت النيات وقامت تبتغي البناء ـ أو كانت آثارا سلبية تفرز إنهاكا لقوى ألمة وبعثرتها ؛ ومن ثم تخريب الأمة0
وقبل ختام هذا الفصل نتساءل : هل يمكن أن نوقف سبيل التفاهة والخرافة والركاكة والغلو العقائدي والهوس والاحتراس والنمطية والرتابة المنهمر على العقل المسلم؟‍
إن لم نستطيع إيقافه فلا أمل أن نصنع بعض مدكات أو صخرات تخفف من شدة اجتياح السيل للعقل المسلم0
ما لم يحدث هذا فسيظل الجمود مسيطرا على حياتنا ، أو سيقودنا التغيير الأهوج إلى ما لا نريده ولا نحمده 000 وسيظل كثير من أبناء قومي يقولون ؛ ومتى توقف العقل المسلم عن العمل سواء في عصور الانحطاط الطويلة أو في عصرنا القلق ؟ وسيظل قولهم هذا يعني أن يعني أنهم يفهمون ‍‍

وأخيرا أقول : إني حين أريد "عمل العقل " لا أقصد العمل الذي يتحدثون عنه في كتب علم النفس التعليمي من تذكرة وإدراك وتفكير و 00 و000 إنما أقصد عمل العقل المبدع ، عملا كعمل الشافعي في الرسالة والغزالي في الإحياء وابن خلدون في المقدمة وابن تيمية في نقض المنطق وجاليليو وكوبرنيكوس في المناظير والفلك0

المزيد حول الموضوع