الفلسفة الإسلامية

الفلسفة الإسلامية
مقدمـة:
مما لا شك فيه أن التفكير الفلسفي بدأ عن اليونانيين ، ووصل إلى إحدى قممه عند المسلمين مع تعدد الفرق حيث تناولوا مشاكل العالم والنفس والألوهية وناقشوها بأسلوب منطقي واتخذوا بصددها مواقف خاصة (مذاهب).
تعددت آراء الباحثين والعلماء حول صدق الفلسفة الإسلامية واتساعها ومدى رصيد الحق واليقين في نظرياتها، حاولنا في بحثنا هذا أن نسلط الضوء على بعض الموضوعات التي تظهر المناحي الفلسفية التي ظهرت عند بعض العلماء والقضايا التي شغلت عقول فلاسفة المسلمين في كثير من المواضع حيث اهتموا للقضايا الدينية اهتماما كبير وراحوا يوفقون بين الدين والفلسفة باعتبارهما مظهرين لحقيقة واحدة، كما أن التقاء الفلسفة بالدين كان لا بد أن يتخذ التوفيق بين النقل والعقل، وبهذه الصورة التي تعتبر للتوفيق بين الفلسفة اليونانية في صورتها المتأخرة وقضايا الإسلام الأساسية.
وبهذا الصدد إذا كانت الفلسفة ضمن سياق الحضارة الإسلامية بقيت ملتصقة بمفاهيم الفلسفة اليونانية، فكيف وصلت الفلسفة إلى المسلمين مع فارق المسافة والثقافة واللغة؟ وهل يتوافق التيار الفلسفي اليوناني مع الإسلام ؟ وما هو رصيد الفلسفة الإسلامية عند فلاسفة المسلمين؟
1- طبيعة الفلسفة الإسلامية :
1-1-
مفهوم الفلسفة الإسلامية :
أقرب كلمة مستخدمة في النصوص الإسلامية (القرآن والسنة) لكلمة فلسفة هي كلمة الحكمة، لهذا نجد الكثير من الفلاسفة المسلمين يستخدمون كلمة حكمة كمرادف لكلمة فلسفة التي دخلت إلى الفكر العربي الإسلامي كتعريب لكلمة Philosophy اليونانية.
ويرى بعض العلماء أنها مجموعة الأفكار التي ارتآها العالم الكندي والفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهم في الله والعالم والنفس الإنسانية ، حيث يذهب الكندي في تعريفه للفلسفة " هي علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان" وأضاف" إلى علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة وجملة علم كل نافع والسبيل إليه والبعد عن كل ضار والاحتراس منه "
ومن ثم يكون غرض الفيلسوف نظريا وعمليا أما الغرض النظري إصابة الحق والعملي العمل به ، ويرى الفارابي " أن الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة ويقسمها إلى حكمة إلهية وطبيعية ورياضية ومنطقية" ، كما يعطيها ابن سينا طابعا نفسيا فيقول "الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الإنسانية ويقسم الحكمة كذلك إلى نظرية يتعلمها الإنسان ولا يعمل بها وحكمة عملية مدنية ومنزلية وأخلاقية ".(1)
وحول هذه المفاهيم كان يتناول فلاسفة الإسلام مقتفين أثر الأساتذة القدماء من حكماء اليونان، فكانوا تارة يقتربون من أساتذة اليونان وتارة يبتعدون عنهم، ولم ينتهجوا منهجا مستقلا في التفلسف ولم يخالفوا رأي القدماء إلا في المسائل التي تخرجهم من ملة الإسلام، وظلوا أساتذة في هذا العالم في ظل أساتذة الفلسفة السابقين.
ونخلص إلى أن الفلسفة الإسلامية هي التفكير في الكون وفيما بعده وفي الإنسان في حالة الفردية أو الجماعية من المبادئ والوصايا. (2)
1-2-
نشأة الفلسفة الإسلامية:
إذا اعتبرنا تعريف الفلسفة على أنها محاولة بناء تصور ورؤية شمولية للكون والحياة فإن بدايات هذه الأعمال في الحضارة الإسلامية بدأت كتيار فكري في البدايات المبكرة للدولة الإسلامية بدأ بعلم الكلام(وعلم الكلام هو علم يتضمن الدفاع عن العقيدة وأصلها التوحيد وهو جدل يدور حول أصول دين بعينه باستخدام أدلة عقلية)، (3) ووصل علم الكلام الذروة في القرن التاسع عندما أصبح المسلمون على إطلاع بالفلسفة اليونانية وذلك في العصر الذهبي العباسي للدولة العباسية حيث بدأت الترجمة في هذا العصر وتحديدا في عصر المأمون بن هارون الرشيد إذ أنه أسس مدرسة الحكمة أو ما يسمى "بيت الحكمة" سنة(217هـ/832 م) وائتمن عليه يوحنا بن ماسويه عليه وخلف يوحنا تلميذه الشهير حنين بن إسحاق، وكان حنين أشهر مترجم للمؤلفات اليونانية إلى السريانية والعربية دون منازع حوالي سنة(242هـ/857م) أي بعد وفاة يوحنا بن ماسويه وكذلك كان ابنه إسحاق بن حنين من الأسماء التي لمعت في فن الترجمة وكان له الفضل الأكبر في تعريف العرب بالفلسفة اليونانية لأنه نقل أو صحح أكثر من نصف مصنفات أرسطو، وكذلك من بين الأسماء التي لمعت في الترجمة عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصي ( النصف الأول من القرن التاسع وهو الذي كان مساعدا للفيلسوف الكندي وقد ترجم له كتاب الربوبية الشهير ما سمي خطأ لأرسطو وهو شرح مأخوذ عن تاسوعات أفلوطين)، وقد أثرت حركة الترجمة الحياة العلمية عند المسلمين خاصة في مجال العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعية والدين.(4) لم تقل شهرة جالينوس الطبيب عن شهرته بكونه شارحا لأرسطو وأفلاطون ومؤرخا ومنطقيا فنقلوا كتبه الفلسفية وتعاليقه كما نقلوا كتبه الطبية .
انتقلت الفلسفة المشائية إلى العالم الإسلامي في بغداد مقبلة من حران وإنطاكيا بعد أن جفت منابعها في مدرسة الإسكندرية وقدر لها أن تلقى قبولا من بعض المفكرين الإسلاميين مثل الكندي والفارابي وابن سينا واتخذوها مادة خصبة لما أطلق عليها فيما بعد الفلسفة المشائية في الإسلام، تطورت الفلسفة الإسلامية من مرحلة المسائل التي لا تثبت إلا بالنقل والتعبد إلى مرحلة دراسة المسائل التي ينحصر إثباتها بالأدلة العقلية ولكن النقطة المشتركة عبر هذا الامتداد التاريخي كان معرفة الله واثبات الحق .
2 -
فلاسفة الإسلام:
من القضايا التي تعرض لها فلاسفة الإسلام بالجدال قضية إثبات وجود الله صفاته، ووجود العالم أحادث هو أم قديم وقضية النفس الإنسانية وفيما يلي بعض آراء الفلاسفة في هذه القضايا
2 - 1- الكندي فيلسوف العرب:
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي المولود حوالي (185هـ/ 801م) والمتوفى في (256هـ/807م)يعرف بفيلسوف العرب لأن جذوره تمتد إلى أصل عربي قحطاني وكان أبوه من ملوك كندة بالعراق كان له اطلاع واسع على الترجمات العربية للكتب اليونانية وبخاصة فلسفة أرسطو كما أنه صحح بعض الترجمات وراجعها وألف "رسالة في الفلسفة الأولى" والواقع أن رسائل الكندي الفلسفية فقد معظمها فقط نذكر بعضها " رسالة في حدوث الأشياء "، "كلام في النفس"، " رسالة الكندي في الجواهر الخمسة"، "رسالة في علة الكون والفساد"، "رسالة الكندي في علة كون الضباب"، يعتبر الكندي هو أول من استعمل المنهج المنطقي في دراسة القرآن، كانت أفكاره متأثرا نوعا ما بفكر المعتزلة وعارضا لفكر أرسطو من عدة نواحي، كانت اهتمامات الكندي متنوعة منها الرياضيات والعلم والفلسفة ولكن اهتمامه الرئيسي كان الدين بسبب تأثره بالمعتزلة لم يكن الكندي منصبا على الدين الإسلام فقط بل كان يحاول الوصول إلى الحقيقة عن طريق دراسة الأديان الأخرى وكانت فكرته هي الوصول إلى الحقيقة من جميع المصادر ومن شتى الديانات والحضارات، حاول الكندي أن يطبق الطريقة الرياضية والعددية في الفلسفة وتركيب العقاقير الطبية، وأنه ألف رسالة في" أنه لا تنال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات"،(7) اعتمد الكندي في بحثه على منهجين وهو منهج حسي تجريبي يعتمد على الملاحظة ثم المقارنة بين الوقائع واستنتاج الأحكام والقواعد من بينها، أما المنهج الثاني فهو المنهج العقلي الرياضي يبحث في علم ما بعد الطبيعة، ولكن يمكننا أن نجد منهجا ثالثا للكندي يصلح للبحث في العلوم الإنسانية ويعتمد على المتواترات والأخبار والأحاديث يمكن أن نسميه بالمنهج التاريخي. نحا الكندي في المصطلحات النحو الأفضل حيث عمد الى اللغة العربية باحثا فيها عن الكلمات التي تعبر بشكل واضح عن مدلول الكلمات اليونانية ، وعند استعماله للكلمة اليونانية يذكر ما يقابلها بالعربية مثل (الحكمة والفلسفة )، ( العنصر و الأسقطس)، ( الهيولى والمادة )....الخ،(8) من تلاميذه أحمد بن محمد الخرساني وأحمد بن الطيب السرخسي، وأبو زيد البلخي.
تناول الكندي في فلسفته ثلاث قضايا رئيسية وهي الله، العالم، النفس
-
القضية الأولى الله:
فالله من حيث طبيعته هو الإنية الحقة( التي لم تكن ليس ولا تكون أبدا لم يزل ولا يزال أيس أبدا )
الإنية : هي الوجود، الليس: هو اللاموجود، الأيس: هو الموجود، فالله هو الوجود التام الذي لم يسبقه وجود ولا ينتهي له وجود ولا يكون وجود إلا به وهو كذلك من حيث الصفات واحد تام، وللكندي براهين على إثبات وجود الله وهو يستند إلى الحدوث والكثرة والنظام التدبير، والبرهان الأول هو برهان الحدوث: فالشيء عنده لا يمكن أن يكون علة لذاته أي لا يمكن أن يكون موجودا لذاته، اذ العالم متناه أي أن له بداية في الزمن وما دام متناهيا فهو موجود، إذا فهو حادث ولا بد له من محدث، ومحدثه هو الله .
البرهان الثاني الذي اتخذه على وجود الله فهو برهان الكثرة: فقد رأى الكندي أن الأشياء المحسوسة متكثرة بالأنواع و متحدة بالأجناس، فالحيوان مثلا واحد بالجنس، كثير بالأنواع ( الحصان، القط، الجمل...الخ) فالاشتراك في الوحدة يرجع إلى علة أولى ما بعدها علة، وهي علة اشتراكها في الوحدة وهذه العلة الأولى هو الله ( سبحانه وتعالى ).
أما البرهان الثالث هو برهان التدبير: وهو دليل الغائية في الوجود المحسوس فالعالم المحسوس لم يوجد عبثا بل لا بد له من مدبر، ولا يمكن معرفة المدبر إلا بمعرفة تدبيره وهو الكون المحسوس المنتظم، وهذا الدليل اقتبسه الكندي من أرسطو.(9)
-
القضية الثانية العالم:
يرى الكندي أن العالم خلق من العدم ، وهذا الرأي يخالف رأي أرسطو الذي يقول بأن العالم قديم وأنه ليس مخلوقا من العدم ، استطاع الكندي أن يصل إلى دليل أصيل لخلق العالم يبين فيه أن العالم ليس بقديم ، كما كان يقول أرسطو ، واتفق الكندي مع أرسطو في فكرة مفادها أن الحركة وإن كانت تبدو عملية لا متناهية فإن مصدرها الثبات وأن هذه الكينونة الثابتة هي التي حولت الثبات إلى حركة .
وبما أن الزمن في حقيقته متناهي فلا بد أن تكون له بداية، وبما أنه مقياس الحركة(هي حركة الجرم أو الكتلة فإذا كان جرم كانت حركة، والجرم متناه وحركته متناهية ولا يمكن أن نتخيل زمن غير متناهي)، والحركة لايمكن أن تكون بدون الموجودات المتحركة في العالم ، فالحركة محدثة والعالم محدث لأن له بداية في الزمن، وهو مخلوق لله تعالى. (10)
-
القضية الثالثة النفس:
يجمع الكندي في مسألة النفس بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو ولا نعرف للكندي رأيا خاصا في النفس، ويقول أنها أي النفس "تمامية جرم طبيعي ذي آلة قابلة للحياة وهي أيضا استكمال أول لجسم طبيعي ذو حياة بالقوة: " هذا ما كان فيه الكندي على رأي أرسطو، أما النفس في رأي أفلاطون هي "جوهر عقلي متحرك من ذاته، وهي جوهر الآهي بسيط لا طول له ولاعرض ولا عمق، وهي نور البارئ والعالم الشريف الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت، وهو مقامها الأبدي ومستقرها الدائم ، فالنفس عند الكندي خالدة حيث يقول " إنما نجيء في هذا العالم في شبه المعبر والجسر الذي يجوز عليه السيارة، ليس لنا مقام يطول و أما مقامنا ومستقرنا الذي نتوقع فهو العالم الأعلى الشريف الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت ". (11)
لكنه لا يقطع شيء فيما إذا وجدت النفس قبل البدن على رأي أفلاطون أو وجدت معه، وعلاقة النفس بالبدن عارضة وهي لا تفعل أفعالها إلا بالبدن، وهي متحدة به ولكنها تبقى بعد فنائه.
ويقسم الكندي قوى النفس إلى الحاسة والمتوسطة والعاقلة ، أما القوى الحاسة فهي التي تدرك صور المحسوسات في مادتها وآلاتها الحواس الخمس ، أما القوى المتوسطة فهي القوى المصورة والمتخيلة وهي التي توجد صور الأشياء من غيبة حواملها عنها وتعمل في حالتي (النوم واليقظة ) والقوى العاقلة فهي التي تدرك صور المجردات دون مادة ، أي القدرة على التفكير .
خلاصة :
بهذا يكون الكندي قد عالج أهم الموضوعات الفلسفية التي عالجها الحكماء الأقدمون من قبله وله يعود الفضل في أن عرف العرب مذاهب لم يألفوها من ذي قبل ويخوض أمامهم في موضوعات لم تجد إلى أذهانهم بعد منفذا ، إن المهمة كانت شاقة لكن الكندي عرف كيف يؤديها على أحسن وجه .
2- 2-
الفارابي المعلم الثاني:
أبو نصرمحمدبن محمد بن طرفان بن أوزلغ الفارابي المولود حوالي (257هـ/870م) والمتوفى عام (339 هـ/950م) وهو تركي الأصل من إقليم فاراب لقبه مؤرخو الفلسفة بالمعلم الثاني ولكن تفاصيله لم تعرف على وجه اليقين شأنه شأن سلفه الكندي الذي اتخذه الفارابي قدوة له ومثالا، تعلم من يوحنا بن حيلان وأبو بشير بن متى بن يونس قدم إلى بغداد شابا ودرس المنطق و النحو والفلسفة والموسيقى والرياضيات والعلوم وتدل كتبه إلى أنه كان يجيد التركية والفارسية أما مؤلفاته فقد اشتملت على شروح أرسطو ( ككتاب المنطق والطبيعة و النواميس، الأخلاق )، ومن مصنفاته "الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو" "رسالة فيما يجب معرفته قبل تعلم الفلسفة" "، " رسالة في العقل" ،عرفت فلسفته بأنها توفيقية يحاول فيها الفارابي أن يوفق بين عقيدته الإسلامية والفلسفة أما نزعته شيعية، تطرق إلى العديد من القضايا الأخلاق، السعادة، الفضيلة، والسياسة تكلم فيها عن المدينة الفاضلة ونظام المدينة، (21) وهو أول فيلسوف مسلم عالج قضية النبوة وكون نظريتها فجاءت هذه النظرية أهم محاولة للتوفيق بين الدين والفلسفة « وهذه النظرية هي أسمى جزء من مذهبه الفلسفي، تقوم على علم النفس وما وراء الطبيعة، وما تتصل اتصالا وثيقا بالسياسة والأخلاق ».اشتهر بنزعته إلى الزهد الذي أدى به الميل إلى التصوف، نزعته اشراقية؛ من تلاميذه يحي بن عدي عن طريقه تسلسلت المدرسة المنطقية ببغداد.
في المنطق اتبع الفارابي أرسطو حيث يقول صناعة المنطق تعطي جملة القوانين التي شأنها أن تقوم العقل، وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب، ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات، والقوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل والغلط في المعقولات .... وذلك كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ.
إما نظرية المثل يثبت الفارابي وجود مثل ضرورية في العقل الإلهي لإبداع ما أبدعه، وإلا لما تم الإبداع، وهذا يغير الفارابي فكرة أفلاطون في المثل القائمة بذاتها وينتقل إلى فكرة المثل أو الصور الموجودة في العقل الله ويعتمد عليها ليقيم برهانه .
نظرية المعرفة إن المعرفة تجريد لصور نضمها في ذهننا إلى صور سبق لنا تجريدها، وهذه الصور سابقة التجريد كامنة فينا لا تظهر إلا عند تجريد صور أخرى تشبهها وتناسبها وبضمنا هذه إلى تلك تحصل فينا المعرفة.(13)
كما تناول الفارابي في فلسفته ثلاث قضايا رئيسية الله، العالم، النفس
-
القضية الأولى الله:
أما دليله على وجود الله فهو دليل الوجوب و الإمكان يقسم الموجودات إلى قسمين ممكن الوجود(الواجب الوجود بغيره) و واجب الوجود؛ أما ممكن الوجود وهو الذي لا بد لوجوده من علة ، والذي إذا وجد كان واجب الوجود بغير "كالنور الذي لا يوجد بالفعل إلا إذا وجدت الشمس" فهو ممكن الوجود بذاته قبل وجود الشمس وهو غير ضروري الوجود بطبيعته، أما إذا وجدت الشمس فهو واجب الوجود بغيره وهذا الممكن الوجود برهان على وجود العلة الأولى إذ لا بد للأشياء الممكنة من انتهائها إلى شيء واجب هو الموجود الأول إذ أن سلسلة الممكنات تحتاج مهما امتدت إلى من يعطيها الوجود لأنها لا تستطيع أن تعطي ذاتها الوجود فلابد لها من كائن واجب الوجود يعطيها لهذا الوجود وهو الذي تقضي طبيعته بوجوده وهذا الواجب الوجود هو الله ،والله في نظر الفارابي عقل منزه عن المادة وهذا ما يعالجه الفارابي في مسألة الفيض والفارابي يحدد قضية الفيض بطريقة عقلية وذلك بقوله أن الله يعقل ذاته وان العالم صدر عن علمه بذاته ، وقال: «إنما ظهر عنه لكونه عالما بذاته، وبأنه مبدأ النظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه، فإذا علمه علة لوجود الشيء الذي يعلمه ». (41)
-
القضية الثانية العالم:
أما كيف خلق الله العالم فيقول الفارابي كما قال أفلوطين في كتاب الربوبية إن الله لم يخلق هذا العالم الفاسد (المتغير) لكن العالم فاض عنه فيضا وصدر عنه صدورا عقليا، والموجودات جميعا تصدر عن علم الواحد، فالله يعقل ذاته ويصدر عنه العالم نتيجة لعلمه بذاته، والفيض يصدر آليا عن الواحد وليس الوجود غاية العلم الواحد بل يصدر الوجود عن الواحد تلقائيا لكماله وجماله المطلق (ونظرية الفيض يرجع عهدها إلى قدامى اليونان) هكذا بنى الفارابي نظريته في الفيض ونظام الكون، وهي نظام العقول أولها الله المحرك الذي لا يتحرك، و العقول التي تحرك الأفلاك السماوية، و هنا يكرر الفارابي نظرية الفيض الأفلوطينية الإشراقية دون تعديل أو تبديل في مضامينها الأساسية. (15)
-
القضية الثالثة النفس :
ذهب الفارابي مذهب أرسطو في تعريف النفس إذ قال: إنها استكمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة، ويقول الفارابي أن النفس هي صورة الجسد و إنها جوهر روحي مباين له، و يذهب الفارابي مذهبا أفلاطونيا حيث يتبع برهان أفلاطون في طبيعة النفس، فيقول: "أن النفس تدرك المعقولات وهي معان مجردة فلابد أن تكون طبيعتها من طبيعة موضوعات إدراكها، فهي لذالك جوهر معقول وهي مستقلة عن آلتها الجسم، النفس تدرك الأضداد، و المادة لاتستطيع أن تفعل ذلك فهي إذن مختلفة عن المادة، و العقل قد يقوى بعد الشيخوخة ،لكن الجسد يضمحل، فالنفس إذن ليست من جنس الجسد، (61) أما عن خلود النفس فالفارابي يقول بخلود النفس الفاضلة التي كانت تسعى لتحقيق السعادة و ذلك بتحصيل الفضائل العقلية، و أما النفوس التي كانت منغمسة في الشهوات، فهذا لا يضمن لها الفارابي بقاء بعد الموت لأنها حينئذ تكون كالأسباع و الأفاعي مجرد هيولى أي مادة تفنى بفناء الجسد، و تنتهي بانتهائه، و الفارابي هنا أقرب إلى أفلاطون منه إلى أرسطو، و رأيه في فناء النفوس الخبيثة يتعارض مع رأي الشريعة التي تقول ببعث النفوس الخبيثة و الطيبة يوم القيامة فتحاسب على ما قدمت إن خيرا فخير و إن شرا فشر،(17) أما قوى النفس فسيقول الفارابيللإنسان من جملة الحيوان خواص بأنه له نفس يظهر له قوى بها تفعل أفعالها بالآلات الجسمانية، وله زيادة بان يفعل لا بآلة جسمانية وتلك قوة العقل ومن تلك القوى الغذية والمربية والمولدة ،ولكل واحدة من هذه قوة تخدمها، ومن قواها المدركة، القوى الظاهرة والإحساس الباطن والمتخيلة والوهم والذاكرة والمفكرة، والقوى المحركة الشهوانية والغضبية والتي تحرك الأعضاء وكل واحدة من هذه التي ذكرناها تحرك بعلة ومن هذه القوى العقل العملي ». (18)
الخلاصة:
و عموما كان للفارابي الفضل في توطيد أركان الفلسفة في العالم الإسلامي فقد اتخذت شكلها التي آلت إليه بعد و فاته. حيث مزج الفارابي بين الأفلاطونية و الأفلوطينية من جهة و الفلسفة الأرسطية المشائية من ناحية ثانية، كما ظل محتفظا بشخصيته وطبع الأفكار التي اقتبسها بطابعه الخاص. و لأن الفارابي لم يكن لديه تلاميذ مباشرون، فقد أثر فيمن أتي بعده من الفلاسفة العرب و المسلمين، و كان على رأس هؤلاء الشيخ الرئيس ابن سينا الذي اعتمد على الفارابي في فهم الفلسفة اليونانية، و بالتالي وضع كثير من الآراء و النظريات.
2- 3-
ابن سينا الشيخ الرئيس:
هو أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا ويلقب بالشيخ الرئيس لاشتغاله بالعلم والوزارة ولد بالقرب من بخارى أوزبكستان حاليا( 370 هـ/980م) والمتوفى (428هـ/1037 م )، كان عنده شغف بالعلم ونهم لاينقطع للإطلاع والقراءة قرأ على النانلي المتفلسف فانشغل في الطب والفلسفة والكيمياء والفقه والرياضيات والهندسة وبرع في كل ما درسه، كرس ابن سينا سنتين من دراسته للتعمق في فهم القضايا الفلسفية وتأثر بأفلاطون وأرسطو عن طريق شروح الفارابي حيث كانت فلسفته مزيجا من الأفلاطونية والمشائية تجاوزت مصنفاته المئتين بين الكتب والرسائل تدل على سعة ثقافته وبراعته في العلوم الفلسفية ومنها " الشفاء "، "النجاة"، و"الإشارات والتنبيهات", وقد ألف في الطب كتابه الضخم" القانون "، "الحكمة المشرقية "، (91) من تلاميذ ته بهمينار وأبو عباس اللوكري كان عالما بأجزاء علوم الحكمة وعنه انتشرت علوم الحكمة في بغداد قام ابن سينا بتقسيم الفلسفة إلى علوم نظرية وعلوم عملية، ففي النظري: العلم الطبيعي، العلم الرياضي، العلم الإلهي والعلم الكلي، وفي العملي: علم الأخلاق، علم تدبير المنزل، علم تدبير المدينة، النبوة .
فالمنطق عند ابن سينا هو آلة في سائر العلوم لأنه ينبه على الأصول التي يحتاج إليها كل من يقتنص المجهول من المعلوم، والعلم الطبيعي: يبحث في الأمور المخالطة للمادة المبينة حدا وقواما مثل" الإنسانية " في الإنسان و"العظمية" في العظم، العلم الرياضي: يبحث أيضا في الأمور المخالطة في المادة دون أن تكون خاصة بمادة معينة كالثنائية والثلاثية تصلحان للعظم والإنسان ولغيرهما من الموجودات كالتربيع والتدبير، العلم الإلهي: مثل الخالق الأول ومثل ضروب من الملائكة، العلم الكلي: كالوحدة والكثرة والكلي والجزئي، العلة والمعلول، علم الأخلاق: يعلم كيفية ما يجب عليه الإنسان حتى يكون سعيدا، علم تدبير المنزل: يعلم كيف ينبغي على الإنسان أن يسلك مع غيره سلوكا جزئيا يكون في المنزل، علم تدبير المدينة: يعلم كيف ينبغي على الإنسان أن يسلك مع غيره سلوكا كليا في المدينة، النبوة: هو الذي يسن شرائع العامة التي تفنن تدبير المنزل وتدبير المدينة معا.(02)
تناول ابن سينا كذلك أهم ثلاث قضايا وهي الله، العالم والنفس
-
القضية الأولى الله:
لإثبات وجود الله عند ابن سينا فقد قسم الأدلة إلى قسمين: دليل عقلي و دليل حسي، أما الدليل العقلي فهو دليل الإمكان الذي ذهب إليه الفارابي حيث قسم الموجودات إلى واجب وممكن، ومن هنا يتشعب الوجود إلى ثلاث أقسام: واجب الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره، وممكن الوجود.
وواجب الوجود هو العلة الأولى ومبدأ الوجود معلول على الإطلاق، لأنه لا توجد سوى علة واحدة مطلقة هي واجب الوجود، والممكنات هي الموجودات الصادرة عنه التي تحتاج في وجودها ممكن إلى علة هي واجب الوجود، وترتفع الأسباب كلها إليها غاية الموجودات جميعا واليه ترجع الأسباب جميعا، وكما نرى فهذا الدليل هو عين الدليل الذي ذكره الفارابي لإثبات وجود الله وهو دليل عقلي لأنه يستند إلى التأمل في مفهوم الواجب والممكن ومن ثم يصل عقليا عن طريق الاستنباط إلى ضرورة وجود واجب الوجود، ونرى بعد ذلك أننا يجب أن لا نستند في البرهان على الخالق إلى شيء من مخلوقاته لأننا نستطيع أن نصل إلى الوجود الأول واجب الوجود عقليا ونعرف أن وجوده عين ماهيته أي وجود متحقق وهو يختلف عن الدليل الأول في أن ابن سينا لا يستخدم المنطق بل يصل إلى الدليل بالحدس المباشر، والحدس ضرب من ضروب المعرفة المباشرة دون وسيط حسي ، إذ أن ابن سينا هنا لم يستدل بالمخلوق عن الخالق كما هو الحال في الدليل الكوني بل حدس فكرة الوجود الأول من فكرة الوجود فقط ووصل إلى وحدانيته لأنه يشهد على بعده في الوجود.(12)
-
القضية الثانية العالم:
أما عن وجود العالم فيقول ابن سينا أن العالم قديم لأنه صدر عن الله منذ الأزل، لأن الله عقل ذاته منذ الأزل وهو متأخر عن الله بالشرف والطبع والمعلولية والذات لا بالزمان فإنه لم يبدع في زمان سابق، ولا يجوز أن يتأخر وجود العالم عن الله بالزمان لأنه لو وجد الله ثم وجد العالم لما كان بين الموجودين زمان فيه عدم، ولتساؤلنا عن السبب المرجع للشرع في الخلق بعد الامتناع عنه ولكان معنى هذا أنه قد حدث تغير في الإرادة الإلهية الأمر الذي لا يصح أن يلحق بذاته تعالى، فالعالم إذا قديم بالزمان متأخر عن الله بالذات والله علته ومبدأه.(22)
-
القضية الثالثة النفس:
فيعرف ابن سينا النفس بأنها كمال أول لجسم طبيعي بمعنى أنها كمال لجنس الجسم لا لطبيعته المادية أما وصف هذا الجسم بأنه جسم طبيعي فذلك يراد به تمييزه عن الجسم الصناعي مثل السري والكرسي وأول مرتبها التغذي والنمو، ولهذا فإن ابن سينا يصف هذا الجسم بأنه يتغذى وينمو وهو يشير بذلك إلى النباتية ، أما الحيوان فإن له نفسا تزيد على نفس النبات لأنها تدرك الجزئيات وتتحرك بالإرادة ، وتأتي نفس الإنسان فيعرفها ابن سينا:« بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل الأفعال الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية ».
براهين وجود النفس : هي البرهان الطبيعي والبرهان النفسي والبرهان الاستمراري وبرهان الإنسان المعلق في الهواء .
البرهان الطبيعي : وهو دليل استفاد ابن سينا من فلسفتي أفلاطون وأرسطو، مؤداه أن أفعال الكائن الحي من تغذ، ونمو وتوليد وإحساس وحركة بالإرادة، لا يمكن أن تصدر عن جسم وحده، ومن ثم لا بد من التسليم بأنها تصدر عن مبدأ آخر في ذاته غير الجسم وهو النفس.
البرهان النفسي: النفس المدركة عند الإنسان تختلف عن الكائنات غير المدركة، فأفعال الإنسان كالنطق وتصور المعاني الكلية العقلية المجردة ومعرفة المجهول من المعلوم كل هذه ليست أفعال للجسم فلا بد أنها أفعال النفس.
البرهان الاستمراري: الجسم يخضع للتغير والتبدل لكن جوهر النفس يضل هوهو ونستطيع أن نعرف ذلك من الذكريات المترابطة، فإذا تأمل الإنسان نفسه وجد أنه خلال عشرين سنة ظل هوهو إن تبدل جسمه وطرأ عليه الكثير من التغير والتبدل فالذات مستمرة الوجود.
برهان الإنسان المعلق في الهواء: فحوى هذا الدليل أن الإنسان وإن كان طائرا أو معلقا في الهواء يستطيع أن يغفل عن أعضاء بدنه لكنه لا يستطيع أن يغفل عن نفسه وشعوره بأنيته وهذا برهان على وجود النفس.(1) أما عن خلود النفس فيقول ابن سينا إن الذي لا يفنى منها هو العقل الفعال أما النفس الناطقة فتفنى بفناء الجسد.
الخلاصة:
لقد اتضح لنا من هذا العرض المحدود لفلسفة ابن سينا هو انه وجه الفلسفة الإسلامية وجهة اشراقية ظهرت واضحة في رسائله الصغرى وفي بعض المواضع في كتبه الكبرى التي يلخص فيها آراء المشائين.

الدين والفلسفة

يعتبر كل من الدين والفلسفة حركة فكرية تحاول، كل على حدة وعلى طريقتها الخاصة، الوصول إلى الحقيقة، ومساعدة الإنسان على فهم معضلات الحياة وتعقيداتها وبعض ما يكتنفها من أسرار، والعيش حياة عادية تسودها أجواء من الراحة والمتعة. ويحاول الدين مساعدة أتباعه على التمتع بالحياة والتعامل مع تعقيداتها المختلفة من خلال دفعهم للهروب الواعي من الواقع، خاصة غير المريح منه، والنظر إلى الحياة على الأرض باعتبارها محطة على الطريق لما بعدها من حياة موعودة. أما الفلسفة فتحاول مساعدة أتباعها على التمتع بحياتهم من خلال حثهم على مواجهة تعقيداتها الكثيرة المتنامية، وتطوير قدراتهم العقلية على ممارسة التأمل الواعي والتفكير العلمي، ولا ترى سببا في تخلي الإنسان عن هذه الحياة من أجل ما يعد به الدين من حياة مؤجلة أخرى. وبسبب ذلك يلاحظ المراقب أن حياة الإنسان المؤمن بعقيدة دينية، خاصة الإسلام والمسيحية، تتصف عموما بالبساطة والهدوء النسبي والقناعة، بينما تتصف حياة الإنسان غير الملتزم بفكر ديني بالتعقيد وعدم الاستسلام لمعطيات الواقع والسعي الدءوب نحو تغييرها.
            يتجه المؤمن دينيا عادة إلى حصر تفكيره ضمن حدود ضيقة لا تتجاوز المفاهيم والمعتقدات التي يؤمن بها، ويتحاشى الخوض في غالبية الأمور الحياتية المعقدة، ويقوم في الوقت ذاته بالعمل على إعداد نفسه بهدوء لاستقبال الحياة الأخرى. وفي المقابل، يتجه الإنسان غير الملتزم بفكرة دينية معينة إلى التفكير من منطلق واسع يقوم من خلاله بالانغماس في تعقيدات الحياة وتجنب الخوض في غيبيات الحياة الأخرى. ويعود السبب في تباين المواقف بين الملتزم دينا وغير الملتزم إلى قناعة الأول بأنه ليس بإمكانه أن يفعل الكثير لتغيير قدره في الحياة، وأن كل ما يستطيع أن يفعله ينحصر فيٍ إعداد نفسه للنجاة والسعادة في حياة ما بعد الحياة. أما الإنسان غير الملتزم بعقيدة دينية فيرى أن بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل تغيير معطيات حياته وإسعاد نفسه، بينما لا يرى أن بإمكانه أن يفعل شيئا بالنسبة لحياة ما بعد الحياة التي لا يعرف عنها شيئا.
            إن من أبرز ما يقوم به الدين من أمور هو تحديد معنى وفحوى الحقيقة وحدودها، وبالتالي مساعدة أتباعه على تجنب عناء التفكير في تعقيدات الحياة ومغريات ما بعدها من حياة موعودة. أما الفلسفة فتقوم عادة بفتح الطريق أما الإنسان الواعي لبدء رحلة البحث عن الحقيقة مستخدما إمكانياته العقلية وما توصل إليه الإنسان من أدوات تحليل علمية على مدى العصور. وهذا يعني أن الأول يُقبل على الإيمان بالحقيقة كما يحددها الدين دون تفكير كثير، ويقتنع بالمقولات والوعود الدينية دون بحث معمق، أما الثاني فيبجه إلى البحث في أمور الدنيا قبل أن يؤمن، ويفكر مليا قبل أن يبدأ عملية البحث عن الحقيقة، مما يجعل مواقفه من الحياة وتعقيداتها وما بعدها تقوم على القناعة المؤسسة على البحث العلمي والتفكير التأملي، وليس على الإيمان المؤسس على الغيب.
            إن بإمكان الفلسفة أن تفهم كنه الحياة بوجه عام، وأن تفسر الكثير من تعقيدات الحياة المجتمعية، إلا أنه ليس بإمكانها أن تخلق مجتمعا ذا صفات تميزه عن غيره من مجتمعات أخرى، ولا تستطيع توفير ما يكفي من القيم والتقاليد والمعتقدات المشتركة لتوحيد أفراد مجتمع ما وخلق تجانس ثقافي فيما بينهم. وفي المقابل، يتميز الدين بقدرته الفائقة على خلق مجتمعات متجانسة تتوفر لأفرادها العادات والتقاليد والقيم والمعتقدات الكفيلة بتوحيدهم، إلا أنه ليس من السهل على الدين أن يفهم تعقيدات الحياة وأن يتعامل مع ما تعيشه المجتمعات الإنسانية من تطورات لا تتوقف عن التغير. وإذا كان بمقدور ومن أهداف الدين أيضا خلق مجتمعات متجانسة تلتزم بأخلاقيات حميدة، فإنه ليس بمقدور ولا من أهداف الفلسفة تأسيس مجتمعات بناء على أخلاقيات حميدة أو غير حميدة. رغم ذلك، لا يمكن للدين أو الفلسفة أو أية عقيدة اجتماعية أو سياسية أن تبقى على حالها، إذ لا بد وأن تخضع كل الأفكار والفلسفات الاجتماعية والعقائدية لمنطق التاريخ الذي لا يتوقف أبدا عن التطور. وهذا يجعل دعوات الحفاظ على الأصالة والتمسك بالقديم من أفكار وقيم وتقاليد هي دعوات غير واعية للتخلف عن الزمن، والتهرب الواعي من تعقيدات الحياة ومنطق التاريخ الذي يحكم عملية التطور المجتمعي والإنساني بوجه عام.


خاتمة:
كان لا بد من أن تقضي المواجهة بين الفلسفة والدين إما إلى تعارض أو تأثير أو تأثر أو تزاوج على أي صورة من انتشار التيارات الثقافية فقد كان من المؤكد ألا يتجاهل الدين القضايا الفلسفية ومسلماتها لا سيما عند الخصوص أي أرباب النظر العميق ،فعندما توغل المسلمون في الفلسفة وفي شروح أرسطو ومنطقه وأصبحوا أساتذة وطال باعهم في التفلسف، حصلت في القرن الثاني عشر والثالث عشر للميلاد حركة ترجمة عكسية من العربية إلى اللاتينية، وقد أثرت هذه الترجمات على الفكر الأوروبي وأعادت إلى الأوربيين التراث اليوناني منقحا ومشروحا ومعلقا عليه وعرفوا ابن سينا بأفيشينا، وكان كتاب القانون في الطب لابن سينا يدرس في جامعات فرنسا إلى القرن الثالث عشر الميلادي كما عرفته أيضا قاعات أكسفورد إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، وقد كانت الفلسفة الإسلامية الجسر الذي نقل الفلسفة اليونانية إلى أوروبا. وبهذا نخلص إلى أن المسلمين أنتجوا فلسفة خاصة بهم جديرة بأن تسمى فلسفة إسلامية أسهم فيها مفكروا الإسلام من الشعوب الإسلامية المختلفة.

المزيد حول الموضوع