القيم الروحية والتحسيس بأهميتها في حياة الفرد و المجتمع



القيم الروحية والتحسيس بأهميتها في حياة الفرد و المجتمع

من المهم جداً أن يعرف الإنسان طبيعة العلاقة التي تربطه بخالقه، حتى يقوم بأداء ما عليه تجاه هذا الخالق، وقد بينا عند حديثنا عن الهدف الأول من أهداف العبادة أن الله تعالى قد أراد للإنسان أن يعبده هو وحده ولا يشرك به شيئاً، لقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)، من أجل ذلك فقد أعلم الله تعالى الإنسان أنه لا إله إلا هو، وجاء ذلك في قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)، كل ذلك من أجل أن يعبد الإنسان إلهاً واحداً فقط، وأن لا يكون ولاؤه إلا لهذا الإله، وبالتالي فإنه يتحرر من قيود البشر، ويتلفت من عبوديتهم، ويستطيع أن يتمتع بكامل حريته.
فإذا ترسخ هذا المفهوم لدى الإنسان فإنه سيكون سوي السلوك، مستقيم التصرفات، حيث يستمد منهج حياته من خالقه الذي اعترف له وحده بالعبودية والحكم.
أما فهم علاقة الإنسان بهذا الكون الذي يعيش فيه فإنه من خلال تأمل هذا الكون، وتدبر عظيم خلقه، وفهم سننه ونواميسه، وهذه عبادة فرضها الله تعالى علينا، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا أعينكم حظها من العبادة قالوا وما حظها من العبادة يا رسول الله، قال: تأمل الكون، وتدبر عجائبه".
إضافة إلى ذلك فإن الكون يشارك هذا الإنسان في عبادة الله تعالى وتسبيحه، يقول الله تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، وعلى ذلك فالعبادة قاسم مشترك بين الإنسان وبين هذا الكون، وهما مخلوقان لله تعالى.
فإذا عرف الإنسان هذا فإنه لا محالة مصحح علاقته بهذا الكون، الذي أمر أن يحافظ عليه، وأن لا يستفيد منه إلا إيجاباً، حيث كل ما في هذا الكون مسخر للإنسان، يقول تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ)، وعليه فيعمل الإنسان جاهداً على تعمير الكون وبنائه، ويحاول أن يتفاعل معه إيجاباً باستغلال كنوزه وخيراته لصالحه وللصالح العام، مصداقاً لقوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا).
ومن الملاحظ اليوم تعدد صور استغلال الإنسان للكون وما فيه من موارد، إما على شكل صناعة أسلحة فتاكة، أو تخريب الغابات الطبيعية وما شابهها من أجل أغراض ومصالح خاصة قاصرة، أو تلويث البحار والمحيطات بالإشعاعات النووية ومخلفات هذه الصناعات، أو تخريب طبقة الأوزون عن طريق الغازات المنبعثة من المصانع وغيرها.
إن هذه وغيرها صوراً سلبية كثيرة لاستغلال موارد الكون، وكلها يضر بالإنسان نفسه، من أجل ذلك كان لمعرفة علاقة الإنسان بالكون أثر كبير في كيفية استغلاله الاستغلال الأمثل للصالح العام.
واجب الانسان تجاه نفسه
إنّ أعزّ ما يملك الانسان هي شخصيّته وهويّته الذاتيّة ، وهي أمانة في عنقه ، قد كرّمه الله بها ، وحرّم عليه أن يهين نفسه ، أو يذلّها ، أو يستهين بما عنده من كفاءة .
«
إنّ الله تباركَ وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلاله نفسه»(2) .
إنّ مسؤوليات الانسان تجاه نفسه أن تحتفظ له الدوائر المختصّـة بملف شخصي تظيف يُشكِّل تأريخه الاجتماعي، ومثل هذا الملف يكوِّنه الناس عنه في ذاكرة المجتمع ، وليس ملفّاً ملوّثاً يسيء السّمعة ، ويستحي منه صاحبه بعد فترة من الزّمن ..
إنّ مجالات احترام الذّات وتوفير الكرامة للشخصية كثيرة ، كما أنّ مجالات استهانة الانسان بشخصيّته وقدراته وكفاءاته وقيمته كثيرة أيضاً ..
فالكذب والاعتداء على الآخرين; سبب لجلب الإهانة على النفس..
وارتكاب المخالفات الأخلاقية سبب لجلب الإهانة ، والحطّ من قيمة الشخصية ..
وقبول الذِّلّ والمهانة والاحتقار سبب لتحطيم الذات ، وفقدان قيمتها ; سواء قَبِلَ الانسان ذلك من أجل المال أو ال*** أو اللّذّة ، أو الشّهرة ، أو بسبب الجبن أو النِّفاق ... إلخ .
والشعور بالنقص ، والإيحاء للنّفس بالعجز عن تحمّل الأعمال ، والمشاركة في العطاء والإبداع والإنتاج ، وخدمة المجتمع ، هو تحطيم للشّخصية من قِبَل صاحبها .
فقد وهب الله كلّ إنسان طاقة وكفاءات ومواهب ، وعليه أن يستثمرها ويوظِّفها ، ولا يستهين بما عنده من طاقة وكفاءة ..
إنّ الله سبحانه لم يحرم النّاس من المواهب .. فللبعض مواهب وقدرة على تلقِّي علوم الطِّب ، وآخـرين على تلقِّي علوم اللّغة ، وثالث على الإنتاج والإبداع الفنِّي والثّقافي ، وآخر على العمل التجاري ، وغيرهم على الأعمال الحرفيّة واليـدويّة ، وآخرين على الأعمال الإداريّة ، ولبعضهم القدرة على الجهد العسكريّ أو العمل السياسيّ ... إلخ .
وهكذا فإنّ الفرد يكتشف طاقته من خلال التجربة ، ولا يستهين بما عنده من قدرة وكفاءة .
وكم من الناس يضيِّع ما عنده من طاقة وقدرات فكريّة وعمليّة واستعدادات نفسيّة للعمل والإبداع بسبب التشاؤم، والإحساس بالنّقص والإنطواء على الذّات ، فيقتل بذلك إمكانيّاته الذاتيّة ، ويبخس نفسه حقّها ، ويفوِّت عليها الفرصة للتقدّم والنجاح .
إنّ الثِّقة بالنّفس والأمل والتفاؤل قوى نفسيّة تمنح الذّات ديناميكية وتصنع من الإمكان والإسـتعدادات الكامنة طاقة خلّاقة تعمل على تنمية الذّات، فإنّ التوكّل على الله، والثِّقة بالنّفس، مفتاح العمل والنجاح.
علاقة الانسان اتجاه بيئته و غيره
ان العلاقات الإنسانية في المجتمع الذي تحفظ فيه حريات الناس، وكرامتهم وحرمتهم، وأموالهم بحكم التشريع وفي المجتمع الذي يسوده النضج والتعاون، ويقدم على الشورى والتوجيه والمساواة في العمل والتعامل والعدالة في الواجبات والحقوق والذي يشعر كل فرد فيه بحكم الله، فالجميع يقفون على قدم المساواة أمام رب العالمين، في طمأنينة وثقة ويقين. قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله آياته لعلكم تهتدون} آل عمران: آية 103.
وعلى ذلك تتحدد أهمية العلاقات الإنسانية في النقاط التالية:
ا- تضمن للعاملين في المجال التربوي الرضا الوظيفي. 2- تدفع العاملين للعمل والأداء والإنتاج. 3- تخفف وطأة الآلية المفرطة في العمل.
4-
تجدد الأساليب الروتينية التي تضفي على العمل الملل والرتابة. 5- تبعد الاضطرابات النفسية والتشاحن أو الحقد أو الحسد. 6- تعزز الانتماء إلى العمل التربوي من قبل الجميع. 7- تمنح فرصاً للإنجاز والتقدم. 8- ترفع من الروح المعنوية.

1) مفهوم القيم الروحية في الاسلام :
خلق الله الانسان من مادة وروح وجمله بالعقل ، ويسر له سبل العيش في هذه الحياة وامده بالتوجيهات اللازمة للعناية
بجميع الجوانب . فارشده الى وسائل تحقيق حاجاته المادية من غذاء وكساء وتطبيب وغير ذلك كما ارشده في الجانب الروحي الى عبادته تعالى ةالاخلاص له وامره بالصدق والامانة والعدل والرحمة والتواضع وحب الخير… ولم يهمل
فيه  جانب العقل الذي هو مناط التكليف فحثه على العلم وجعله فريضة على كل مسلم … وبذلك يحصل الانسان على
غذاء متوازن لمكوناته الثلاثة : الجسم والروح والعقل .
-  فما مدلول القيم الروحية ؟
القيم جمع قيمة وهي كل ما قام في النفس على انه مستقيم .
واصطلاحا هي ضوابط ومعايير تقوم بها سلوكات الفرد وتصرفاته .
والقيم عموما هي مجموع الاخلاق والفضائل التي يتعارف عليها الناس في محتمع معين وعلى ضوئها يحددون الحسن
والقبيح من الافعال والسلوك والتصرفات…
وتنقسم القيم الى : - روحية وتتمثل في العبادة والدعاء والاخلاص والصدق والوفاء والتسامح والعدل والاصلاح …
                       - ومادية تتجلى في تلبية حاجات الجسد من الاكل والشرب والسكن والعلاج والغرايز…
فاذا تمسك الانسان بدينه وحرص على طهارة روحه سما وارتفع . وان هو استجاب للمادة والشهوات خسر الدنيا
والاخرة . وقد شبه تعالى الذين للشهوات الجسدية بالانعام قال تعالى : ( اولئك كالانعام بل هم اضل ) .
2) محل القيم الروحية من الانسان :
تخاطب القيم الروحية باطن الانسان وكيانه الداخلي وخاصة القلب والنفس . فبالنسبة للقلب قال تعالى : ( ومن يؤمن
بالله يهد قلبه والله بكل شيئ عليم ) ويقول صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله
واذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) وذلك لان القلب هو سلطان الحواس وبمقدوره توجيهها كلها نحو الخير او
نحو الشر .واما النفس فهي انواع ومن اخبثها الامارة بالسوء التي تزين لصاحبها الفاحشة وتدفعه الى المعصية قال
تعالى : ( وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي ) ولا تستقيم هذه النفس الا بتربيتها على الفضائل
وإبعاها عن الخبائث لانها دائمة الوسوسة للانسان قال صلى الله عليه وسلم : ( ان الله تجاوز عن امتي ما حدثت به
انفسها ما لم تعمل او تتكلم ) .
3) مصادر القيم الروحية :
تستند القيم الروحية في الاسلام الى القران والسنة باعتبارهما المصدرين الاساسين لكل خير في هذه الحياة . فكلاهما
يحث المسلم على التراحم والتعاطف واشاعة الخير وحسن معاملة الناس … كما يمنحانه طاقات لا حد لها من اجل
الحق والعدل والمحبة …
وقد جسد صلى الله عليه وسلم هذه القيم في حياته الخاصة والعامة . فكان يربي المسلمين على الفضائل ومكارم الاخلاق
التي تلقاها من ربه وفي الاثر : ( ادبني ربي فاحسن تاديبي ) وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي فقالت :
( كان خلقه القران ) . وفي القران ثناء عظيم على اخلاقه صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ( وانك لعلى خلق عظيم )
بل كان صلى الله عليه وسلم قبل البعثة على خلق وقد شهد له بذلك قومه بل العرب كلهم فكانوا يسمونه الصادق الامين
بهذه الاخلاق والقيم نالت الامة الاسلامية الخيرية والفضل دون غيرها من الامم قال تعالى : ( كنتم خير امة اخرجت
للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله …)
وهناك مصادر اخرى للقيم اهمها ما ورد الينا من ماثورات وخطب واشعار وقصص وسير الصالحين والمتقين…
3) مجالات التدرب عليها :
العبادات المختلفة الواجبة منها والمستحبة . فقد اوجب علينا الله القيام باركان الاسلام الخمسة الواجبة بالاضافة الى النةافل
وارشدنا الى تزكية النفس وتربيتها على صالح الاخلاق وتطهيرها من الخبائث والانحرافات قال تعالى : ( ونفس وما سواها 
فالهمها فجورها وتقواها . قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها ) فواجب المسلم تعويد نفسه على الخير والصلاح وقمع منافذ
الشر والضلال طمعا في نيل رضى الله والفوز بنعيم الدنيا وثواب الاخرة . ولا يتحقق هذا للمسلم الا باداء الواجبات والاكثار 
من الطاعات وتجنب الفواحش والمنكرات .
4) آثار التحلي بالقيم الروحية على الفرد والجماعة :
على مستوى الفرد :
- تحقيق سعادة النفس وشفاؤها من الامراض .- تحقيق خشية الله واستحضار مراقبته .- رسوخ الايمان بالله وتقدير عظمته .
- تقوى الانسان على تحمل الشدائد وصعوبات الحياة .- تربية النفس على الصدق والوفاء وحب الخير للناس واجتناب الكذب  والخيانة والحسد والبغض والكراهية .- تهذيب اخلاق الفرد وسلوكه.
على مستوى الجماعة
 - نشر الاخوة والمحبة بين الناس .- التخفيف من حدة الفقر بترسيخ قيم التعاون والتكافل بين افراد المجتمع .
- تحقيق العدالة الاجتماعية - رزع الثقة بين الناس .- استتباب الامن في المجتمع واندحار الجريمة والخوف والقلق .- القضاء على الفساد بمختلف اشكاله وخاصة الاخلاقي منه.
5) سبل ترسيخ القيم الروحية وتنميتها
من اهم السبل واجداها نفعا في هذا المجال نذكر
- الايمان الصادق بالله والدعاء الصالح .- اداء الاركان على احسن وجه ( صلاة- زكاة - صوم - حج ) .- الاكثار من الذكر في كل وقت وحين .- قراءة جزء من القران كل يوم والسيرة النبوية .- الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم .- الاقبال على فعل الخير.- الحرص على اداء الصلاة مع الجماعة .- زيارة دور العجزة والايتام في المناسبات الدينية .- رعاية الاطفال الذين هم في وضعية صعبة .
- حضور الندوات الثقافية والترفيهية ….

المزيد حول الموضوع