نهضة العقل المسلم



نهضة العقل المسلم
الاسلام دين العلم
 إن الإسلام دين علم وعقل قبل كل شيء؛ فهو قبل أن يكلف أتباعه تحصيل أي غرض من أغراض الدنيا يكلفهم بأن يكونوا عقلاء صحيحي الفهم، ثاقبي الفكر، جيدي البصيرة، يتدبرون الأمور قبل الشروع فيها، ويقلبون وجوه الرأي في مواردها ومصادرها، ومباديها ومصايرها؛ فلا تقع إلا على مقتضى الحق والعدل والمصلحة والواجب؛ كما يكلفهم أن يكونوا علماء عارفين بأسباب المصالح، وطرق المنافع، واقفين على الحقائق الكونية، ملمين بتفاصيل التجارب العملية التي اهتدى إليها البشر في سابق أدوارهم، ومختلف أطوارهم مما يتعلق بتصحيح العقائد والعبادات، وتقويم الأخلاق والملكات، وإتقان أمر المعايش والمعاملات، وترقية شأن الصناعات والتجارات، وتحسين سائر مقومات الحياة.
فالقرآن لما دعا الناس إلى الإسلام، وكلفهم قبول تعليمه وهدايته كان يقيم العقل حكماً بينه وبينهم، ويعجب من انصرافهم عنه، وإهمالهم له، وترك الاستضاءة بنوره؛ فكان يقول وهو يحاجهم: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ).
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ).
(عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ).
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ).
د. يوسف القرضاوي
لا مجال في الاسلام لدعوى التعارض أو العداوة بين الدين والعلم، فالدين في الاسلام علم، والعلم فيه دين. كما تشهد بذلك أصول الاسلام وتاريخه جميعاً. فالدين في الاسلام علم، لأنه لا يعتمد على الوجدان وحده، بل يقوم على النظر والتفكير ورفض التقليد الأعمى والاعتماد على البرهان اليقيني لا على الظن واتباع الهوى.
والعلم في الاسلام دين، لأن طلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهو فريضة عينية أو كفائية، تبعاً لحاجة الفرد أو حاجة المجتمع. والاشتغال بالعلم النافع ـ دينياً كان أم دنيوياً ـ عبادة وجهاد في سبيل الله. وهذه حقيقة شهدها وشهد بها كثير من الباحثين والمؤرخين الغربيين. ولا بأس أن نذكر هنا بعض هذه الشهادات تأكيداً وتثبيتاً لمن تهمهم أقوال الغربيين.
يقول العلامة هورتن:
((في الاسلام وحده تجد اتحاد الدين والعلم. فهو الدين الوحيد الذي يوحد بينهما. فتجد فيه الدين ماثلاً متمكناً في دائرة العلم. وترى وجهة الفلسفة ووجهة العلم متعانقتين، فهما واحدة لا اثنتان)).
ويقول اتيان دينيه: ((إن العقيدة الاسلامية لا تقف عقبة في سبيل الفكر، فقد يكون المرء صحيح الاسلام، وفي الوقت نفسه حر الفكر، ولا تقتضي حرية الفكر أن يكون المرء منكراً لله. لقد رفع (محمد) قدر العلم إلى أعظم الدرجات، وجعله من أول واجبات المسلم.
التخلف الفكري العلمي  لدى المسلمين في العصر الحاضر


إسهامات المسلمين العلمية والفكرية في التراث الإنساني في العصور السابقة
ويقول غوستاف لوبون:
(.. كلما أمعنا في درس حضارة العرب وكتبهم العلمية، واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، ولسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وأن جامعات الغرب لم تعرف لها، مدة خمسة قرون، مورداً علمياً سوى مؤلفاتهم، وأنهم الذين مدنوا أوروبا مادة وعقلاً وأخلاقاً.. وتأثير العرب عظيم في الغرب، وهو في الشرق أشد وأقوى..)[1] 
ويقول:
(.. الحق أن القرون الوسطى لم تعرف كتب العالم اليوناني القديم إلا من ترجمتها إلى لغة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وبفضل هذه الترجمة اطلعنا على محتويات كتب اليونان التي ضاع أصلها، ككتاب أبولونيوس في المخروطات، وشروح جالينوس في الأمراض السارية، ورسالة أرسطو في الحجارة، إلخ.. وأنه إذا كانت هناك أمة نقر بأننا مدينون لها بمعرفتنا لعالم الزمن القديم فالعرب هم تلك الأمة، لا رهبان القرون الوسطى الذين كانوا يجهلون حتى اسم اليونان، فعلى العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة اعترافاً أبدياً، قال مسيو ليبري:
".. لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوروبة في الآداب عدة قرون.."
وعرب الأندلس وحدهم، إذاً هم الذين صانوا العلوم والآداب التي أهملت في كل مكان، حتى في القسطنطينية، ولم يكن في العالم في ذلك الزمن بلاد يمكن الدرس فيها غير الأندلس العربية، وذلك خلا الشرق الإسلامي طبعاً، وإلى بلاد الأندلس.. كان يذهب أولئك النصارى القليلون لطلب العلوم في الحقيقة.. ولم يظهر في أوروبا، قبل القرن الخامس عشر من الميلاد، عالم لم يقتصر على استنساخ كتب العرب، وعلى كتب العرب وحدها عول روجر بيكون، وليانورد البيزي، وأرنود الفيلتوفي، وريمون لول، وسان توما، وألبرت الكبير، والاذ فونش العاشر القشتالي.. إلخ)[2]
وجاء في كتاب "الحضارة الأوروبية سياسية واجتماعية وثقافية" لمؤلفيه أساتذة الفلسفة: جيمس وستفال توسون، وفرانكلين شارلز بام، وفان نوستراند:
(.. في خلال قرنين نقل إلى العربية كل ما خلفه الإغريق من التراث العلمي على التقريب، وأصبحت بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة مراكز لامعة لدراسة العلم وتلقينه.. وأخذت المعرفة بهذه الثقافة الإغريقية العربية تتسرب إلى أوروبة الغربية في أواخر القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر.. وتسابق الرجال من ذوي العقول اليقظى إلى باليرمو وطليطلة لتعلم اللغة العربية، ودراسة العلوم العربية، مثل أديلارد أوف بات، ودانيال أوف مورلي، وروجر أوف هيرفورد، واسكندر نكوام، وكانت رسالة أديلارد أوف بات في المسائل الطبيعية أول مؤلف علمي أنتجته أوروبا الغربية في القرون الوسطى، وقضى بعض الطلاب سنين عدة في إسبانيا، ثم قضوا أعمارهم كلها في هذا العمل المقصور على ترجمة الكتب العلمية العربية إلى اللاتينية.. وعلى هذا النحو كانت أوروبة قد استولت في مستهل القرن الثالث عشر على محصول العلم الإغريقي والعربي بحذافيره..)[3].
وليست هذه سوى نماذج، وهنالك غيرها مئات الشواهد بل ألوفها !!..
من منجزات المسلمين العلمية..
ونريد الآن أن نؤشر فحسب على عدد من الإضافات الإسلامية في بعض الحقول العلمية الصرفة.. أما الإنجازات بتفاصيلها فيمكن أن يجدها القارئ في أكثر من كتاب..
** في الرياضيات:
أسهم المسلمون في إغناء المعرفة الإنسانية، وقد تابعوا دراسة علم الحساب إلى مدى بعيد.. فالدولة الإسلامية تطلبت تقديرات حسابية لتنفيذ أحكام الزكاة، والجزية، والخراج، وتقسيم الإرث.. كما نص على ذلك القرآن الكريم..
في الجبر، برز محمد بن موسى الخوارزمي [توفى 850م]، الذي يعود إليه تأسيس علم الجبر، وهو الذي تعمق في هذا العلم مدى أبعد من الإغريق، وكتابه "كتاب الجبر والمقابلة" قدم للعالم تعبيراً خاصاً عن هذا الفرع من الرياضيات.. ويعد كتابه أفضل كتاب في مادة الجبر حتى الأزمنة الحديثة.
وأدخل البتاني [توفي عام 929م] النسبة في علم المثلثات كما هي معروفة اليوم، وتبعه عالم عربي لامع في الرياضيات هو أبو الوفا [توفي عام 997م] الذي اكتشف معادلة لجمع الزوايا.. وهو الذي اكتشف أيضاً الخط الذي يقطع القوس.
أما الهندسة، فقد كانت متقدمة عند المسلمين، وهم الذين استخدموها في مجالات عملية، كالمساحة وإنشاء طواحين الماء، إضافة إلى استخدامهم إياها كثيراً في أغراض الزينة في فنهم، ولعل أهم إسهام للعرب في حقل الرياضيات كان إدخالهم الرموز التي سموها "الأرقام الهندية".. والمسلمون الذين بسطوها وجعلوها طيعة بحيث قبلها العالم على مر العصور.
** في الفيزياء:
عارض ابن الهيثم [توفي 1039م]، الذي برز في علم البصريات، إقليدس وبطليموس في زعمهما أن العين ترسل إشعاعات إلى الشيء المنظور تمكن من رؤيته، وأصر على أن عملية الرؤية تحدث عندما يرسل المنظور إشعاعات تدخل العين، وقد وجد لدى تفحصه قدرة القمر على الإشعاع، أن القمر ليس بالجسم الصقيل كالمرآة، ومن ثم اكتشف أن جميع الأجسام الملونة تعكس الضوء، وأن الضوء واللون متطابقان، ولإثبات فرضياته قام بتجارب أدت به إلى اختراع آلة التصوير، وتشير الأبحاث الحديثة في مخطوطاته إلى أنه كان مدركاً تماما الإدراك دور الرياضيات في نظريته في البصريات، وقد خلص الباحثون إلى اعتباره بكل جدارة مؤسس علم الفيزياء بالمعنى الحديث للكلمة.
أما البيروني [توفي 1050م] فقد اكتشف عن طريق التجربة عدداً من الجاذبيات المحدودة بوساطة ما أسماه "المخروط" ويعد ذلك أول مقياس للثقل النوعي.
أما الخازني [توفي 1100م] فقد استخدم مقياساً للكثافة شبيهاً بذلك المقياس الذي استخدم قديماً في الإسكندرية للتحري عن خواص السوائل، كما بحث مشكلة كثافة الماء عند منتصف الكرة الأرضية، تلك المشكلة التي تناولها بعينها روجر بيكون.
** في علم الفلك:
الذي لقي ترحيباً كبيراً لدى المسلمين بسبب اهتمامهم "بعلم الميقات" الذي يحدد مواعيد الصلاة واتجاه مكة المكرمة.. برز عدد من العلماء منهم الفزاري [توفي 777م] الذي أنشأ الاصطرلاب، ثم البتاني [توفي 929م] الذي قام ببعض الأرصاد الفلكية الهامة وبعض المقاييس، وتبعه عمر الخيام [توفي 1123م] الذي صمم تقويماً جديداً هو التقويم الجلالي، وقد أخطأ الخيام بيوم واحد في كل خمسة آلاف سنة، أما أبو معشر [توفي 886م] فقد بحث بشكل دقيق في العلاقة بين المد والجزر وحركة القمر.
إلا أن أهم إنجازات المسلمين في علم الفلك تتمثل في تصميمهم المرصد.
وعلى الرغم من أن الإغريق صمموا أدوات فلكية، منها الاصطرلاب، إلا أن المرصد بشكله المخصص والمنظم لم يظهر للوجود إلا في العصر العباسي.. وقد استخدمت فيه أدوات من مثل: ذات الربع، والاصطرلاب، والمحلق، والكرات الهندسية.
** في الكيمياء:
حيث لم يستطع الأقدمون التمييز بينها وبين الصيدلية لعدة قرون، أجريت تجارب متقدمة، وقطعت أشواطاً أكبر مما تكهن به الإغريق، وبرز عدد من الكيماويين، كان من أبرزهم : جابر بن حيان [توفي حوالي 815م] الذي أجرى عدداً من التجارب على المواد العضوية الحيوانية والنباتية.. وسجل ملاحظاته وتجاربه التي أدت إلى تحضير حامض الآزوت لأول مرة في التاريخ، وقدم وصفاً كاملاً لعملية تحضير الفولاذ، وتصفية المعادن الأخرى، وعملية صبغ الأقمشة ودباغة الجلود والدهان لصنع الملابس الواقية من الماء، وكيفية حماية الحديد من الصدأ، كما عرف صناعة حامض الخل إلى جانب وصفه بدقة بعض العمليات الكيماوية، كالتبلور والانحلال والتكرير.
وكان الرازي، رغم شهرته في ميداني الطب والفلسفة، ذا قدم راسخة في مجال الكيمياء، إلا أن اهتمامه تركز على الكيمياء المختبرية أكثر من الكيمياء العامة وفرضياتها، وهو صاحب مذهب في دراسة الكيمياء أخذ يوسع مجال المعرفة الكيماوية شيئاً فشيئاً بجهود الباحثين في هذا المضمار، وقد استخدم عدة مواد في تجاربه، منها: كل المعادن المعروفة في عصره، وهو أول من وضع نظاماً لتصنيف الحيوان والنبات والمعدن.
هنالك أيضاً أبو منصور موفق، أول كيماوي ميز بين كربونات الصوديوم وكربونات البوتاس، وقد شرح كيف يعطي الجص إذا سخن نوعاً من الكلس لتضميد كسور العظام، وتعرف هذه المادة اليوم بجص باريس، وتستخدم كثيراً في الصناعة، وخاصة صناعة القوالب..
ولقد دأب الكيماويون المسلمون على تجاربهم بكل حرية إلى أن توصلوا إلى الكشوف العلمية التي أدت بدورها إلى تطور الكيمياء بشكلها المعاصر.
** في علم النبات:
نلتقي بعالم الطبيعة القرطبي أبو جعفر الغافقي [توفي 1165م] الذي قام بجمع مجموعات من النباتات من إسبانيا وشمالي أفريقي، وأطلق عليها تسميات بالعربية واللاتينية والبربرية، ووضعها بدقة في كتابه "الأدوية المفردة" كما نلتقي بالصيدلي وعالم النبات العظيم ابن البيطار [توفي 1248م] الذي اعتمد في كتابه على أعمال الغافقي، وارتحل إلى شمالي أفريقيا وإلى سورية باحثاً في حياة النباتات، وقد ذاعت شهرته من خلال كتابيه "المغني في الأدوية المفردة" و"الجامع في الأدوية المفردة" اللذين يبحث أولهما في المواد الطبيعية، ويبحث ثانيهما في الحيوان، والنباتات، والمواد المعدنية ذات الخواص الطبية، وقد صب عنايته على المعلومات التي زوده بها سابقوه، ولكنه أضاف ثلاثمائة مادة جديدة إلى المواد المكتشفة سابقاً، وعددها: ألف وأربعمائة..
** في الطب:
اقتبس الأطباء المسلمون من الإغريق النظريات الطبية التي تشكل قاعدة ثابته ومُرضية لعلاج المرضى، إلا أن الأطباء المسلمين ركزوا على الأمور العملية بدلاً من النظرية في العلاج الطبي، وقاموا بكثير من الاكتشافات الطبية، وأحرزوا تقدماً كبيراً في فن الاستطباب، وكان من أشهر هؤلاء الأطباء الزهراوي [توفي 1013م] الذي يضم كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" قسماً عن الجراحة يعتبر أعظم إسهام في هذا الموضوع في القرون الوسطى.
والرازي [توفي 925م] الذي كان أول من ميز بين مرضى الجدري والحصبة، وذلك في كتابه "في الحصبة والجدري" أما كتابه الكبير "الحاوي" فيعتبر موسوعة طبية يلخص فيه معارف الإغريق والفرس والهنود في الطب، ويضيف بعدها ملاحظاته الشخصية.. أما في طب العيون فهنالك علي بن عيسى، وعمار الموصلي، وكلاهما عاش في النصف الأول من القرن الحادي عشر، وقد ألف كل منهما الكتب حول الطب، ووسعا دائرة المعرفة الطبية اليونانية، وأضافا التعليمات العديدة حول إجراء العمليات، كما أضافا ملاحظاتهما الشخصية.. وإلى الأطباء المسلمين يعود اختراع الأدوات الجراحية ونظام فحص المريض بشكل كامل، ووصف العديد من الحالات الطبية والأمراض، كما كانوا يملكون موهبة نظرية وعملية في تصنيف علوم الطب وتقديم نتائجهم في كتاب عملي واضح للطلاب وللأطباء معاً، غير أن أكبر إنجاز طبي للمسلمين يتجلى في إنشاء المستشفيات وإدارتهم إياها على أكمل وجه، وفق نظام دقيق لا يزال يُعمل به حتى الآن.
** في علم الجغرافيا:
صحح المسلمون في كثير من الأحيان معطيات الجغرافيا الإغريقية، بعد أن قام الرحالة المسلمون بكشوفهم الجديدة في الأصقاع البعيدة، وقد امتد شمول علم الجغرافية العربي من الجزائر إلى الخالدات غرباً إلى كوريا، واحتمال وجود اليابان شرقاً، وأصدر الجغرافيون الكتب التي تصف الطرق والمدن الإسلامية، وأسهموا في توسيع مجال علم الجغرافيا، ومن أبرز هؤلاء المقدسي [توفي 1000م] في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" الذي يتضمن بحوثاً في المناجم، واللغات المحلية، وعروق البشر، والعادات القومية، والديانات والأوزان والمقاييس.. إلخ.. كما كان هناك جغرافيون هامون في القرن العاشر هم البلخي، والإصطخري، وابن حوقل.
وعرف القرن الثاني عشر أعظم عمل جغرافي عربي منظم في كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للإدريسي [توفي 1166م]، الذي عمل في بلاط الملك النورماندي روجر الثاني ملك صقلية في باليرمو، ويضم كتابه العظيم أعمال الجغرافيين السابقين، كما يضم المعلومات التي رواها الرحالة، ويشير الكتاب إلى افتراض أن الارض كروية.. وبصورة عامة فإن أهمية الجغرافيين المسلمين تكمن في رسمهم الخرائط الجغرافية، ووصفهم التفصيلي لمناطق خاصة -أي الجغرافية المحلية- ويعود إليهم فضل حفظ النظرية القديمة القائلة بكروية الأرض[1]
** أما في مجال العلوم التطبيقية:
فيكفي أن نشير إلى دور الحضارة الإسلامية في تطوير استخدامات الري والميكانيك، وتحسين صناعة الورق، وتكرير السكر واختراع البارود[2].. وغيرها الكثير..
وليس ثمة من داعٍ لاستعراض، أو حتى للإشارة إلى إسهامات المسلمين الكبيرة في حقول العلوم الإنسانية، كالتاريخ، والاقتصاد، والقانون، والسياسة، والتربية، والنفس، ومناهج البحث، والاجتماع، والنظم الإدارية، والآداب والفنون.. إلى آخره، وتأثيراتها في مجرى الحضارات البشرية، وخاصة الحضارة الغربية، فهي أوضح للعيان وأشد حضوراً من أن يشار إليها أو يدلل عليها..


السبيل لإعادة المجد للأمة الإسلامية
يقول تعالى (وَكَذلِك جَعَلْنَاكُـمْ أُمةً وَسطاً
لِتكُونوا شُهداءَ على الناس وَيكونَ الرسُولُ عَليكمْ
شهِيداً ) البقرة 43
ولا تستقيم تلك الشهادة إذا كان العقل المسلم غير مؤهل
للقيادة والإبداع الحضارى ...ولا تستقيم تلك الشهادة
والعقل المسلم مكبل ببعض القيود .
نماذج من هذه القيود
نقول لا تستقيم تلك الشهادة والعقل مكبل ببعض القيود مثل :
قيود التهويل أو التهوين ، وقيود التعميم المفرط ، وقيود
التأويل الشخصى للأمور، وقيود عزل الأشياء عن سياقها ، أو
قيود قراءة المستقبل سلبيا ، أو قيود الانهزام الداخلى
وضعف الثقة بالنفس ، أو قيود الاعتمادية المفرطة على الغير
تكنولوجيا ومنهجيا وفكريا ، أو قيود العجز عن تقدير خير
الشرين ، أو قيود المبالغة فى التركيز على العيوب وجلد
الذات بصورة مرَضية فى مقابل قيود التهوين من العيوب مع
التركيز فقط على المميزات ومن ثم تضخم الشعور بالذات ، أو
قيود التماوت حول الآلام والمصائب ، أو قيود الحزازات
النفسية ، أو قيود الموروثات الخاطئة ، أو قيود التقديس
لكل ما هو قديم فى مقابل الانبهار بكل ما هو جديد ، أو
قيود عدم وضوح معايير التقييم للأشخاص أو الأشياء أو
الموضوعات ، أو قيود التسليم بكل ما يقال، أو قيود التعصب
، أو قيود الارتهان الثقافي، والاستلاب الحضاري، و
التقليد، والتخاذل الفكري ، الانضغاط لمدح الاخرين ،
الجدال ، وغير ذلك .
ماذا نريد لهذا العقل ؟
نريد لهذا العقل أن يسهم فى الإنتاج والإبداع الحضارى شأنه
شأن كل عقل حر يتحرك فلا تثقله القيود أوالموروثات الخاطئة
نريد له أن يتحول من رفع الشعارات إلى الإبداع واعتماد
الوسائل العلمية، والانتقال من منهج الاستنباط الى منهج
الاستقراء .
نريد له أن يسترد عافيته ويتعافى من مرضه المزمن – بغض
النظر مرحليا عن أسباب مرضه-
وذلك حتى يتبوأ مكانته بين الأمم....ولكن ما أسهل القول
إذا قورن بالعمل !!
احتياجات لازمة
إن إعادة تشكيل العقل العربى والمسلم ليست ترفا حتى يزهد
فيه الزاهدون إنها المفردة التى منها نواة الانطلاق نحو
صناعة المستقبل وبناء الحضارة ...وهذه الرغبة هى أمانى
وحتى تتحول تلك الأمانى من حلم إلى واقع فإنه يلزم ما يلى:
* جودة التشخيص لعلل أمتنا الفكرية وأمراضها الاجتماعية
والخلقية ومن ثم تحديد أسباب هزيمتنا الفكرية وغيرها
...وهى مهمة غير شاقة وبذلت من أجلها جهود كثيرة لبعض
المفكرين والمنظرين وللمركز العالمى للفكر الإسلامى جهود
طيبة ههنا سواء فى المجال الاجتماعى أو الفكرى أو العلمى
ولكنها نواة أكثر من كونها جهد منظم، وكذا بعض جهود
الأفراد من دول عدة .
*ترسيخ مبادىء حقوق الإنسان ،والحريات ...فمن السفه أن
نطالب بكيان علمى أو غيره دون أن يكون لدينا كيان إنسانى
جدير بالاحترام والتقدير ومراعاة حقوقه.
* إعادة دراسة الثوابت والمتغيرات فى ضوء اجتهاد من يحق
لهم الاجتهاد فى كل التخصصات بحيث يمكن توصيلها لعموم
الناس مع مراعاة الفروق الفردية طبعا.
* تعديل البنية المعرفية للأمة ممثلة فى أشخاصها ومؤسساتها
من خلال تحليل مكونات العقل العربى والمسلم ، والتعرف على
مصادر روائه ، وتحديد مواريثه الفكرية وغربلة تلك المواريث
من خلال علمائه وقادته ومناهج التعليم ومنابر الإعلام
المختلفة ، وتسليط الضوء على أهمية تبنى منهج الاستقراء فى
التعاطى مع عالم الحضارة ، مع رصد للأفكار اللاعقلانية
الشائعة ، واستبدالها بأخرى عقلانية وفق مصادر الوحى
السماوى ووفقا لمعيار الفهم الصحيح
* إعادة تشكيل العقل العربى والمسلم من خلال هذه المفردات
الخمسة :
1/ رصد وتحليل ومن ثم معالجة المعتقدات الخاطئة الشائعة
بين أفراد الأمة.
2/ رصد وتحليل طرق التفكير اللاعقلانية لدى أمتنا ومن ثم
استبدال ذلك بتعلم طرق تفكير فعالة وايجابية .
3/ تبنى عقل يقظ استقرائي لا يعتمد على أحكام وتوقعات
مسبقة .
4/ تحليل ورصد التخيلات المفزعة والتى شكلت وجدان أفراد
هذه الأمة ..ولا يستهينن أحد بتلك المفردة فواقع أمتنا
وانهزام صفنا الداخلى وانبهارنا بالغالب الغربى وضعف ثقتنا
بذواتنا يرجع فى أحد أهم أسبابه إلى تلك المفردة .
5/إمداد الأمة أفرادا وجماعات بالمعلومات اللازمة للنهوض
عبر المستقبل من خلال وسائط التعليم المختلفة ولا سيما ما
يختص بالبحث العلمى والمعلومات لنوفر على أنفسنا من خلال
العلم والتعلم كثيرا من سنوات الخبرة التى ضاعت منا فى ظل
هذا التيه الفكرى الذى نمنا فى سباته طويلا حتى قاد ركب
الحضارة قوم آخرون.
وهذه المفردات الخمسة هى التى نرجو لها تفعيلا حتى يحدث
تغير محمود فى البنية المعرفية
ويبقى السؤال المعضل : كيف؟
من المؤسف أن تكون الكيفية منوطة بالقيادة وأزمة أمتنا منذ
عقود طوال فى قادتها ولكن لا مناص من المحاولة ولا سيما
وأن كثيرا من مفرادات احتياجاتنا منوطة بمعاهد التعليم
ومنابر الإعلام المختلفة والوسائط التربوية المتنوعة وهذا
أمر يمكن التعاطى معه حتى وإن ضغطت على معظم بلادنا
قياداتها التى لا تحسن سوى الانصياع لضغوط الغرب...وكم
نرجو أن تتسع لحل هذه الإشكالية كتابات الفاقهين من كل
اتجاه

المزيد حول الموضوع