المساواة الغربية بين الرجل والمرأة


إن المرأة عندنا وهي تتطلع للتخلص من الظلم والاهتضام لحقوقها قد وضعت بين يديها أطروحة المساواة الغربية بين الرجل والمرأة، وكم بدت هذه الأطروحة جميلة، حيث أنها تعمل لأن توفر لها الأوضاع والصلاحيات، والسلطات التي يتمتع بها السيد الرجل. فلكي ترفع عن نفسها ظلم الرجل لابد أن تكون مثله تماماً في كل أمر.
وينصب تركيز فكرة المساواة هذه على أن المرأة لايمكنها أن تبلغ مبلغ الرجال، لا إذا أوجدت لنفسها عملاً خارج منزلها.
وقد طوقت بسيل من الإغراءات لدفعها إلى ميدان العمل، واقتنتعت أنه لا اختلاف بينها وبين الرجل إلا في الناحية الجسمية، وهو اختلاف ليس من شأنه أن ينشئ تبايناً في الوظائف، وأن وظيفتها في بيتها ليست بذات بال، فجدير بها ألا تكون مجرد (آلة تفريخ)، وأنها لاتستطيع أن تكون حرّة من تسلط الرجل ومن قيمومته عليها ما لم تتخلص من الإعتماد عليه في مطالب معيشتها، فبالعمل تصبح قادرة على إعالة نفسها بنفسها، وحينئذ ستفرض احترامها على الجميع وترفع عنها معرة النقص والضعف. هذا وخروجها للعمل سيضيف طاقاتها إلى طاقات الرجال في مرافق الدولة، مما سيزيد من ثروة البلاد الإقتصادية وسيملأ عليها الفراغ الذي تشكو منه في منزلتها.
فنزلت المرأة لميدان العمل بحماس للثأر لكرامتها. نزلت للتحدي، لتثبت أنها تستطيع فعلاً أن تقوم بما يقوم به الرجل من أعمال تضعه على عرش السيادة والسيطرة، وأخذت تطالب بكل ما للرجل من حقوق وواجبات.
فيا ترى ما تسعى إليه المرأة بالعمل هل يحقق لها فعلاً المساواة الصحيحة والعادلة؟
إن الاختلاف بين الرجل والمرأة لايقتصر على اختلاف المظهر الخارجي والأعراض الظاهرة بجسديهما، بل يختلفان أيضاً في الناحية التشريحية، فكل خلية من جسد المرأة خلية أنثوية تحمل طابع جنسها وتختلف عن خلايا جسد الرجل، وأكثر من هذا فالجهاز العصبي للمرأة أضعف من الجهاز العصبي للرجل، مما يجعل المرأة أسرع تهيجاً وأقوى انفعالاً والرجل أشد صلابة وأربط جأشاً في مواجهة الصعاب.
إنهما يختلفان وبوضوح في النواحي البيولوجية والفسيولوجية والسيكولوجية اختلافاً يوجه الرجل لصراع الحياة وتكبّد مشاقّها خارج المنزل، ويوجه المرأة لمسؤولية الحفاظ على النوع البشري، والاجتهاد على سلامته في بيت الزوجية ورحاب الأمومة المعطاءة. وهذا الاختلاف طبيعي، ومن رحمة الله أن يكون بين الذكر والأنثى لمصلحة المجتمع البشري وعمران الحياة على وجه الأرض.. فحياة الإنسان ذات حاجات مادية ومعنوية متعددة ومتنوعة لايستطيع أن يؤديها كل فرد لنفسه، ولا يستطيع أن يؤديها أفراد يحملون لوناً واحداً من القابلية والاستعداد، بل يؤديها أفراد مختلفون في القابليات والاستعدادات، في إطار التوافق، والتكافل، والتكامل. وهذه حقيقة يجسدها كل تنظيم اجتماعي ناجح في حياتنا. فالمجتمع لاتستقيم حياة أفراده إذا كانوا جميعاً أطباء مثلاً، لأنها ستفتقر إلى بقية الكفاءات التي تسد حاجاتهم الأخرى والكثيرة، تحتاج إلى الطبيب، والمهندس، وعامل المصنع، والفلاح، والبناء، والبائع وإلى كل كفاءة حتى في أبسط احتياجاتها.. كذلك الأسرة تنظيم اجتماعي أراده الله أن يكون وحده متكاملة متكافلة، ولا يتحقق التوافق والتكافل بين الطاقات والحاجات إذا كانت متشابهة في ركني الأسرة. إن الوظيفة الأولى والأكثر امتيازاً للمرأة وظيفة الأمومة والتربية، فهي منوطة بحمل الجنين ورعايته في رحمها طوال تسعة شهور، وفي هذه الفترة يكوّن جسمها الحليب ليكون الغذاء الأساسي له ي طفولته الأولى بعد أن يولد، وجهازها العصبي يجعلها مرهفة الأحاسيس، جياشة العواطف، فياضة الحنان، وهي بهذا أقدر على فهم حاجات الطفولة باندفاعاتها البريئة، الملحّة، وأصبر في تحمل مزعجاتها المستمرة. فليس من الإنصاف في حق المرأة وحق الجميع أن نقلل من قيمة هذه الوظيفة العظيمة، أو نحقّرها، أو نحقّر تفرغ المرأة لها، لقد وفّر الله في تكوينها الجسدي والنفسي الاستعدادات والأوضاع التي تلائم أدائها أكثر من أي وظيفة أخرى توجه إليها، ولو أنها عكفت على أدائها بإخلاص وتفان فلن تترك لها مجالاً لفراغ تشكو منه. وإن أي وظيفة تُدعى إليها المرأة مهما بلغت فهي لاتعدل مهمة رعايتها وإعدادها لأفراد الجيل الإنساني.
إن المرأة لاتحتاج أن تثبت وجودها في ميدان الرجال، وإنما تحتاج أن تشعر بوجودها الإنسان، وتعيش دورها الطبيعي بثقة واطمئنان واعتزاز. وإن خروج المرأة في مجتمعنا للعمل لاينبع من حاجة موضوعية، فالزوج مكلّف شرعاً بالنفقة عليها، وقبل زواجها الأب أو الولي. وليس صحيحاً ما يقال بأن خروج المرأة للعمل سيضاعف من ثروة البلاد على اعتبار أن عملها ليسد فراغاً، فلو كان الأمر كذلك لم تعان البلاد الغربية من أزمة بطالة في رجالها!..
وحقاً لاتوجد نصوص إسلامية تمنع المرأة من العمل، ولكن لايصح أن نجعل عملها أصلاً من أصول التنظيم الاجتماعي، وإنما يسوغ إذا توفرت الضرورة والحاجة إليه بشرط ألا تتعدى حدود الله وتعرض نفسها لأجواء الاختلاط المحرم والخلوة بالأجنبي.
وأما إذا كانت زوجة وأما فيجب عليها أن توازن بجدية بين حاجتها للعمل وحاجة زوجها وأطفالها إلى وجودها في البيت. فحيث أن الإسلام لم يوجب عمل المرأة خارج منزلها، ولم يوجب عليها أيضاً العمل المنزلي ولا تربية الأولاد، فهي حرّة في اختيار أي منهما، فإما تختار وظيفة عامل بسيط مهما كانت هذه الوظيفة أو وظيفة صانعة أجيال، أو تختار كليهما. وحينما تقرر الاختيار الأخير فعليها أن لاتتصور أن عملها خارج المنزل لايؤثر في أدائها لمهمة تربية أولادها. فمنذ الحمل وفي فترة الرضاعة يحتاج الطفل من أمه أن تكون في أحسن حال من الراحة النفسية والجسدية، لأن أي إنزعاج نفسي أو إرهاق بدني سيعود بالتأثير السيئ عليه جنيناً أو رضيعاً. وبلا شك فإن وظيفتها ستكلفها جهداً يسبب لها في أبسط الأحوال بعض الإرهاق، وقلما تخلو ظروف عمل من المتاعب والمنغصات التي تؤدي إلى الإنزعاج النفسي، مع ملاحظة الطبيعة الإنفعالية عند المرأة وسرعة تأثرها العاطفي.
إن تربية الطفل مشروع ليس بالبسيط أمره، لأنها تعني رعايته نفسياً وإجتماعياً وليس جسد فحسب، فحاجاته الجسمية من طعام ونظافة وغير ذلك لاتكاد تذكر إلى جانب احتياجاته النفسية والإجتماعية من الرعاية والتوجيه. نه يملك ميولاً وعواطف وغرائزاً يعيشها ويعبر عنها بأفرط متجاوزاً بها الحدود، والأم تقوم بتهذيب غرائزه وتعجيل عواطفه وتنسيق ميوله، وتنقل له تجاربها وخبراتها التي اكتسبتها، فتجعل منه كائناً إجتماعياً فاعلاً يحسن الامتزاج في المجتمع. وإن مهمة كبيرة ودقيقة كهذه تتطلب منها الملاحظة الدائمة لأوضاعه وسلوكه وتطوراته وهو يتحرك على سجيته بين عينيها، ولا يتسنى لها ذلك إلا بالتفرغ لشأنه وملازمته أطول فترة ممكنة. إن تربية النفوس تطلب احتضانها فترة طويلة من الزمن، ولا تستطيع المحاضن ـ غير الأم ـ مهما بلغت في أخلاصها وبذلها أن تعطي ما تعطيه غريزة الأمومة التي تعيش في أعماق الأم، وتدفعها بتفان إلى إيثار طفلها على نفسها فيما ينفعه ويريحه ويدفع عنه النقص والأذى. ولا أحسب أماً مخلصة في حب أطفالها تفضل عملها خارج المنزل عليهم، أو تسمح لأي شيء لاتفرضه ضرورة موضوعية ملحّة أن ينقص من عطائها لهم، ولا أحسبها ترجح المكسب المادي الذي يوفّره العمل لها على حاجاتهم الروحية والإجتماعية، حتى لو كان هذا المكسب من أجلهم، فحاجات الروح لهم الأولية على الحاجات المادية إذا تعارضتا.
وأما إذا اضطرت الحاجة الماسة المرأة لأن تعمل، فلابد أن يكون عملها في مجالات الحاجة الفعلية إليها كامرأة، مثل طب أمراض النساء، والتوليد، وتدريس البنات، إذ من الملاحظ في مجتمعنا بشكل عام أن المرأة في العمل لاتوضع حيث تقتضي الحاجة أن توضع، فمن مصلحتها ومصلحتنا الإجتماعية أن توجه للوظائف التي تنفق وطبيعتها وتتلائم مع رسالتها.

المزيد حول الموضوع