الإعجاز العلمي





1/ أهمية الإعجاز العلمي:
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  هو الرسول الخاتم كان لا بد أن تكون معجزته خالدة تفحم أهل كل عصر ومصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقد أشار ابن حجر إلى هذه الحقيقة المسلمة في شرحه لحديث الآيات المعجزة لكل نبي وهو قوله e (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما على مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وقال ابن حجر : " ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه للعادة في أسلوبه وفى بلاغته، وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه فعم نفعه من حضر ومن غاب، ومن وجد ومن سيوجد )[1].
ومعلوم أن أهل هذا الزمان لا تعنيهم أوجه الإعجاز البلاغية من الفصاحة والبلاغة، فهي لا تثيرهم ولا تبهرهم، ومن الصعب عليهم تذوق جماله اللغوي.
ولما ارتفعت أسهم العلم التجريبي والمكتشفات العلمية وأصبحت مصدر زهو العلماء وافتخارهم واعتزازهم، أظهر الله وجها من أوجه إعجاز كتابه الكريم على أيدي العلماء - من المسلمين ومن غير المسلمين- يتناسب مع ما يعنيهم ويبهرهم، ألا هو الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. ( وذلك الإعجاز هو السبق العلمي للقران الكريم الذي ذكر حقائق في الكون لم تكن البشرية تعلم عنها شيئا )[2] وهذه الحقائق تطورت بتطور الاكتشافات التي جاءت نتيجة للإشارات الواردة في القران , وبديهي أن يتباين موقف العلماء من تلك الإشارات بتباين الأفراد وخلفياتهم الثقافية وأزمانهم , وباتساع دائرة المعارف الإنسانية في مجال الدراسات الكونية[3] ولذلك نجد بعد فترة من الزمن وبعد تقدم أجهزة الكشف العلمي , وقوف العلماء على طرف من هذه الحقائق المفسرة للإشارات الكونية في القران وهذه الإشارات ذكرها القران الكريم , فذلك شاهد بان القران الكريم انزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض كما يشهد بان محمد r رسول من عند الله الذي أحاط علما بكل شئ .[4]
2/ مفهوم الإعجاز العلمي:
ولقد شاع مصطلح الإعجاز العلمي في عصرنا،للدلالة على أوجه إعجاز القرآن والسنة التي كشفت عنها العلوم الكونية ونظراً لجدة البحث في حقل الإعجاز العلمي في القرآن - بالنسبة لغيره من حقول الدراسات القرآنية - فسوف نقدم في هذا البحث تأصيلاً لهذا العلم بغية إعانة المشتغلين في هذا الحقل على ارتياد آفاقه. ونبدأ بتعريف الإعجاز. الإعجاز لغة: مشتق من العجز. والعجز: الضعف أو عدم القدرة، وهو مصدر أعجز بمعنى الفوت والسبق[5]. والمعجزة في اصطلاح العلماء: أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة[6] . وعرف الزنداني الاعجاز فقال : ( انه اظهار صدق الرسل – عليهم الصلاة والسلام – باظهار امور على ايدبهم بعجز البشر عن معارضتها)[7] وإعجاز القرآن: يقصد به إعجاز القرآن للناس أن يأتوا بمثله. أي نسبة العجز إلى الناس بسبب عدم قدرتهم على الإتيان بمثله. ووصف الإعجاز هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم. والعلم: هو إدراك الأشياء على حقائقها أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً[8] والمقصود بالعلم في هذا المقام: العلم التجريبي.
اذن فهو إخبار القرآن الكريم بحقيقة أثبتها العلم التجريبي أخيراً وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم
أو هو إبراز الحقائق القرآنية التي أشارت إلى الحقائق الكونية المتعلقة بالآفاق والأنفس، والتي جاء العلم الحديث موافقاً لها.

الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي:
التفسير العلمي: هو الكشف عن معاني الآية في ضوء ما ترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية, فهو التفسير ( الذي يحكّم الاصطلاحات العلمية في عبارات القران , ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والاراء الفلسفية منها )[9]
وقد عرف الدكتور صلاح الخالدي التفسير العلمي بقوله: ( هو النظر في الايات ذات المظامين العلمية , من الزاوية العلمية , وتفسيرها تفسيرا لاعلميا , وذلك بالاستعانة بالعلوم والمعارف والمكتشفات الجديدة في توسيع مدلولها وتقديم معناها )[10]
وعرفه الدكتور زغلول النجار : ( محاولة بشرية لحسن فهم دلالة الاية القرانية ان اصاب فيها المفسر فله اجران وان اخطا فله اجر واحد )[11]
وعرفه الدكتور عدنان زرزور : ( الاستناد الى حقائق العلم التجريبيونظرياته – في شرح ايات الطبيعة والانسان – ادم وبنية – والتي وردة في القران الكريم في سياقات شتى , ومواضع متعددة )[12]
والاعجاز العلمي : هو بذل الجهد واستفراغ الوسع لفهم الآيات المتعلق بالآفاق والأنفس من خلال ( إخبار القران الكريم أو السنة النبوية بحقيقة اثبتها العلم التجريبي , وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم  )[13]
وعرف الزنداني الإعجاز العلمي بقوله : ( ويمكننا ان نعرّف الإعجاز العلمي في القران والسنة بأنه : إظهار صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  بما حمله الوحي اليه كم علم الهي , ثبت تحققه , ويعجز البشر عن نسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم  أو إلى أي مصدر بشري في عصره )[14]
وعرفه الدكتور زغلول النجار : ( يقصد به سبق هذا الكتاب العزيز بالاشاره الى عدد من حقائق الكون وظواهره التي لم تتمكن العلوم المكتسبة من الوصول الى فهم شئ منها الا بعد قرون متطاولة من تنزل القران الكريم)[15]
وعرفه الدكتور صلاح الخالدي : ( ان نعتبر تلك المضامين والابعاد والاشارات والحقائق العلمية لتلك الايات , وجها من وجوه الاعجاز القراني ونسميه الاعجاز العلمي ونضيفه الى وجوه الاعجاز الاخرى )[16]

اذن فالاعجاز العلمي محاولة لفهم الاشارات العلمية في القران الكريم ( واعجازه العلمي ليس في اشتماله على النظريات العلمية التي تتجدد وتتبدل وتكون ثمره للجهد البشري في البحث والنظر , وانما في حثه على التفكير , فهو يحث الانسان على النظر في الكون وتدبره , ولا يشل حركة العقل في تفكيره , او يحول بينه وبين الاستزاده من العلوم ما استطاع الى ذلك سبيلا . وليس ثمة كتاب من كتب الأديان السابقة يكفل هذا بمثل ما يكفله القران )[17]
الفرق بينهما: أن الإعجاز العلمي قطعي الدلالة، بينما التفسير العلمي ظني الدلالة.
ثالثا : أوجه الإعجاز العلمي :
للإعجاز العلمي في القران والسنة أوجه من أهمها :
1.
التوافق الدقيق بين ما في الكتاب والسنة , وما اكتشفه علماء الكون من حقائق وأسرار كونية لم يكن في إمكان بشر أن يعرفها وقت نزول القران .
2.
تصحيح الكتاب والسنة لما شاع بين البشرية في أجيالها المختلفة من أفكار باطلة حول أسرار الخلق .
3.
إذا جمعت نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المتعلقة بالكون وجدت بعضها يكمل الأخر , فتتجلى بها الحقيقة , مع أنَّ هذه النصوص نزلت مفرقة في الزمن , وفي مواضعها من الكتاب الكريم , وهذا لا يكون الا من عند الله الذي يعلم السر في السماوات والارض .
4.
سن التشريعات الحكيمة , التي قد تخفى حكمتها على الناس وقت نزول القران , وتكشفها ابحاث العلماء في شتى المجالات .
5.
عدم الصدام بين نصوص الوحي القاطعة التي تصف الكون واسراره – على كثرتهاوالحقائق العلمية المكتشفة – على وفرتها – مع وجود الصدام الكثير بين ما يقوله علماء الكون من نظريات تتبدل مع تقدم الاكتشافات , ووجود الصدام بين العلم , وما قررته سائر الاديان المحرفة والمبدلة .[18]

3/ ضوابط الإعجاز العلمي
إن موضوع الإعجاز العلمي محفوف بالمخاطر لوترك الحبل فيه على الغارب، ليتحدث فيه من شاء بما يشاء، وقد ينقلب على أصحابه؛ خاصة أن بعض الدراسات انطلقت من غير ضوابط، يقودها الحماس فكان لا بد من ضوابط، تكبح جماح الفكر والخيال والسعي وراء النظريات والفرضيات، وهي كثيرة، ومنها:
أولاً : حسن فهم النص القراني الكريم وفق دلالات الالفاظ في اللغة العربية , ووفق قواعد تلك اللغة واساليب التعبير فيها , وذلك لان القران الكريم قد انزل بلسان عربي مبين . على ان لا يخرج باللفظ من الحقيقة الى المجاز الا بقرينة كافية , وعند الضرورة القصوى , ومن هنا فلا يمكن اثبات الاعجاز العلمي بتاويل النص القراني .
ثانياً : فهم اسباب النزول والناسخ والمنسوخ – ان وجد – وفهم الفرق بين العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل من ايات هذا الكتاب الحكيم .
ثالثاً : فهم الماثور من تفسير المصطفى صلى الله عليه وسلم  والرجوع الى اقوال المفسرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم الى الزمن الحاظر .
رابعاً : جمع القراءات الصحيحة المتعلقة بالاية القرانية الكريمة ان وجدت .
خامسا : جمع النصوص القرانية المتعلقة بالموضوع القراني الواحد ورد بعضها الى بعض , بمعنى فهم دلالة كل منها في ضوء الاخر , لان القران الكريم يفسر بعضه بعضا , كما يفسر الصحيح من اقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولذلك كان من الواجب توظيف الصحيح من الاحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع الاية المتعامل معها كلما توافر ذلك .
سادساً : مراعاة السياق القراني للاية المتعلقة باحدى القضايا الكونية دون اجتزاء للنص عما قبله وعما بعده , مع التسليم بان من طبيعة القران الكريم ايراد العديد من الحقائق المتتابعة والتي قد لاتكون بالضرورة مرتبطة ببعضها البعض كما هو الحال في ايات القسم المتعددة باكثر من امر من الامور .
سابعاً : مراعاة قاعدة : ان العبرة هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب , والاقتصار على القضية الواحدة في المقام الواحد , دون تكديس للايات المستشهد بها حتى يتضح جانب الاعجاز العلمي في كل منها .
ثامنا : عدم التكلف ومحاولة لي اعتاق الايات من اجل موافقتها للحقيقة العلمية , وذلك لان القران الكريم اعز علينا واكرم من ذلك , لانه كلام الله الخالق وعلم الخالق بخلقة هو الحق المطلق , الكامل الشامل , المحيط بكل علم اخر , وهو العلم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
تاسعاً : الحرص على عدم الدخول في التفاصيل العلمية الدقيقة التي لا تخدم قضية الاعجاز العلمي للاية او الايات القرانية الكريمة من مثل المعادلات الرياضية المعقدة , والرموز الكيميائية الدقيقة الا في اضيق الحدود للازمة لاثبات وجه الاعجاز .
عاشراً: عدم الخوض في القضايا الغيبية غيبة مطلقة كالذات الالهية , والروح , والملائكة , والجن , وحياة البرزخ , والقبر , قيام الساعة , والبعث , والحساب , والميزان , والصراط , والجنة , والنار وغيرها , والتسليم بالنصوص الواردة فيها تسليما كاملا انطلاقا من الايمان بكتاب الله وسنة رسوله , ويقينا راسخا بعجز الانسان عن الوصول الى مثل هذه الغيبيات المطلقة .
حادي عشر: التاكيد على ان الاخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا مغايرة كاملة , وانها لا تحتاج هذه السنن الدنيوية الرتيبة , فهي كما وصفها ربنا امر فجائي منه ( كن فيكون) وصدق الله العظيم اذا يقول : (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (لأعراف:187)
وعلى الرغم من ذلك فان الله من رحمته بنا قد ابقى لنا في صخور الارض , وفي صفحة السماء اعداد كثيرة من الشواهد الحسية التب تقطع بضرورة فناء الكون وبحتمية الاخرة , وان الاشارة الى تلك الشواهد الكونية لا يمكن ان تفسر بمحاولة التعرف على موعد الاخرة , لان الاخرة من الغيبيات المطلقة التي لا يعلمها الا الله , ولانها لن تتم من السنن الكونية المشاهدة في هذه الحياة .
ثاني عشر: توظيف الحقائق العلمية القاطعة في الاستشهاد على الاعجاز العلمي للاية او الايات القرانية الواردة في الموضوع الواحد او في عدد من الموضوعات المتكاملة , وذلك في جميع الايات الكونية الواردة في كتاب الله فيما عدا قضايا الخلق والافناء , والبعث , والتي يمكن فيها نوظيف الاية او الايات لبقرانية الكريمة , للارتقاء باحدى النظريات المطروحة الى مقام الحقيقة مع التاكيد على ان الحقيقة العلمية لا تبطل مع الزمن , ولكنها قد تزداد تفصيلا وتوضيحا باجتهاد العلماء جيلا بعد جيل , وان المعرفة العلمية اذا وصلت الى مستوى الحقيقة فهي لا تتغير لكنها قد تزداد ايضاحا مع الزمن , وذلك لان حقائق العلوم المكتسبة جزئية , لانها تعبر عن جزئية محددة , ومن طبيعة العلوم المكتسبة النمو المطرد مع استمرار مجاهدة العلماء في توضيح ما سبقت معرفته من حقائق دون الغائها .
ثالث عشر: ضرورة التمييز بين المحقق لدلالة النص القراني والناقل له مع مراعاة التخصص الدقيق في مراحل اثبات وجه الاعجاز العلمي في الاية القرانية الكريمة , لان هذا مجال تخصصي على اعلى مراحل التخصص لا يجوز ان يخوض فيه كل خائض , كما لا يمكن لفرد واحد ان يغطي كل جوانب الاعجاز العلمي في اكثر من الف اية قرانية صريحة بالاضافة الى ايات اخرى عديدة تقترب دلالتها من الصراحة , خاصة ان هذه الاية تغطي مساحة هائلة من العلوم المكتسبة التي تمتد من علم الاجنة الى علم الفلك وما بينها من مختلف مجالات العلوم والمعارف الانسانية , الا اذا ردت كل قضية الى محققها من المتخصصين بوضوح واثبات كاملين .
رابع عشر: التاكيد على ان ما توصل اليه المحقق العلمي في فهم دلالة الاية الكريمة ليس منهى الفهم لها , لان القران الكريم لاتنتهي عجائبة ولا بخلق على كثرة الرد .
خامس عشر: اليقين بان النص القراني الكريم قد ينطبق على حقيقة علمية ثايته , لكن ذلك لن ينفي مجازا مقصودا , كما ان الاية القرانية الكريمة قد تاتي في مقام التشبيه او المجاز وتبقى صياغة الاية دقيقة دقة فائقة من الناحية العلمية وان لم تكن تلك الناحية العلمية مقصودة لذاتها , لان كلام الله الخالق هو الحق المطلق الذي لا ياتية الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
سادس عشر : الاخذ في الاعتبار امكانية الانطلاق من الاية القرانية الكريمة للوصول الى حقيقة كونية لم يتوصل العلم المكتسب الى شئ منها يعد , , وذلك انطلاقا من الايمان الكامل بان القران الكريم هو كلام الله الخالق في صفائه الرباني اشراقاته النورانية , وانه كلام حق مطلق , ولو وعى المسلمون هذه الحقيقة لسبقوا غيرهم من الامم في الوصول الى العديد من حقائق الوجود , وعلى الرغم من هذا التاخير فلا يزال الباب مفتوحا ليتسابق اليه المتسابقون من اهل العلم في هذا المجال .
سابع عشر : عدم التقليل من جهود العلماء السابقين في محاولاتهم المخلصة لفهم دلالة تلك الايات الكونية في حدود المعلومات التي كانت متاحة لهم في زمانهم , وذلك لان الاية الكونية الواردة في كتاب الله تتسع دلالتها مع اتساع دائرة المعرفة الانسانية في تكامل لا يعرف التضاد حتى يضل القران الكريم مهيمنا على المعارف الانسانية مهما اتسعت دوائرها , وهذا من اعظم جوانب الاعجاز في كتاب الله .
ثامن عشر : ضرورة التفريق بين قضية الاعجاز العلمي والتفسير العلمي , فالاعجاز العلمي يقصد به اثبات سبق القران الكريم بالاشارة الى حقيقة من الحقائق الكونية او تفسير ظاهرة من ظواهره قبل وصول العلم المكتسب اليها بعدد متطاول من القرون , وفي زمن لم يكن لاي من البشر امكانية الوصول الى تلك الحقيقة عن طريق العلوم المكتسبة ابدا . واما التفسير فهو محاولو بشرية لحسن فهم دلالة الاية القرانية ان اصاب فيها المفسر فله اجران وان اخطا فله اجر واحد , والمعول عليه في ذلك هو نيته . وهنا يجب التاكيد على ان الخطا في التفسير ينسحب على المفسر , ولا يمس جلال القران الكريم , وانطلاقا من ذلك فلابد من الحرص على توظيف الحقائق العلمية القاطعة والتي لا رجعة فيها في كل من القضيتين .
ولكن لما كانت العلوم المكتسبة لم تصل بعد الى الحقيقة في كثير من الامور فلا حرج من توظيف النظريات السائدة المقبولة المنطقية في التفسير العلمي للقران الكريم , اما الاعجاز العلمي للقران الكريم فلا يجوز ان يوظف فيه الا القطعي الثابت من الحقائق العلمية التي لا رجعت فيها وذلك في جميع الايات الوصفية .
تاسع عشر : اليقين في صحة كل ما جاء في القران الكريم , لانه كلام الله الخالق , المحفوظ بحفظ الله على مدى الزمان والى ان يشاء الله والمحفوظ في نفس لغة وحيه – اللغة العربية – فلا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , وعلى ذلك فلا يمكن لحقيقة كونية ان تصطدم بنص قراني ابدا , فاذا حدث وبدا شئ من ذلك فلا بد من وجود خلل ما , اما في صياغة الحقيقة العلمية او في فهم الدارسين للنص القراني الكريم .
عشرون : يجب تحري الدقة المتناهية في التعامل مع القران الكريم واخلاص النية في ذلك والتجرد له من كل غاية شخصية او مكاسب مادية .[23]



4/ أمثلة الإعجاز العلمي في القرآن

·         نماذج من الإعجاز العلمي للقرآن في الطب :
          قديماً كان الناس يعتقدون أن إحساس الألم يمكن من أي مكان ولكن مؤخراً اكتشف أن الجلد فقط هو الذي به مناطق الإحساس حيث وجدوا بالنظر تحت المجهر أن الأعصاب تتركز في الجلد ووجدوا أن أعصاب الإحساس متعددة وأنها أنواع مختلفة : منها ما يحس باللمس ومنها ما يحس بالضغط ومنها ما يحس بالحرارة ومنها ما يحس بالبرودة ووجدوا أن أعصاب الإحساس بالحرارة والبرودة لا توجد إلا في الجلد فقط وعليه إذا دخل الكافر النار يوم القيامة وأكلت النار جلده يبدله الله جلداً ليصير العذاب مستمر ، قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ) النساء : 56 وأما قوله تعالى : ( وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ ) محمد: 15 ولماذا هنا قطع أمعاءهم ؟ لأنهم وجدوا تشريحيا أنه لا يوجد أبدا أعصاب للإحساس بالحرارة أو البرودة بالأمعاء وإنما تتقطع الأمعاء فإذا قطعت الأمعاء ونزلت في الأحشاء فإنه من أشد أنواع الآلام تلك الآلام التي عندما تنزل مادة غذائية إلى الأحشاء عندئذ يحس المريض كأنه يطعن بالخناجر فوصف القرآن ما يكون في الجلد ووصف ما يكون هنا بالمعدة والأمعاء وكان وصفا لا يكون إلا من عند من يعلم سر تركيب الجلد وسر تركيب الأمعاء .
  • نماذج من الإعجاز العلمي للقرآن في علم الكون :
      وجدوا أن القمر يسير بسرعة 18 كيلو مترا في الثانية والواحدة والأرض 15 كيلومترا في الثانية والشمس 12 كيلومترا في الثانية .. الشمس تجري والأرض تجري والقمر يجري قال الله تعالى ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) عليّ يجري ومحمد يسير بمنازل وعليّ لا يدرك محمدا ما معنى هذا ؟ معناه أن عليّا يجري ومحمد يجري ولكن عليّا لا يدرك محمدا الذي يجري الله يقول : ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) ثم قال : ( لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) يكون القمر قبلها أم لا ؟ .. القمر قبلها وهي تجري ولا تدركه وتجري ولا تدركه لأن سرعة القمر 18 كيلومترا والأرض 15 كيلو مترا والشمس 12 كيلومترا فمهما جرت الشمس فإنها لا تدرك القمر ولكن ما الذي يجعل القمر يحافظ على منازله ؟ وكان من الممكن أن يمشي ويتركها ؟وجدوا أن القمر يجري في تعرج يلف ولا يجري في خط مستقيم هكذا ولكنه جري بهذا الشكل حتى يبقى محافظا على منازله ومواقعه تأملوا فقط في هذه الحركة القمر , الشمس , الأرض , النجوم تجري لو اختلف تقدير سرعاتها.. كان اليوم الثاني يأتي فنقول : أين الشمس ؟ نقول والله تأخرت عنا عشرين مرحلة ! ويجئ بعد سنة من يقول : أين الشمس ؟ نقول : والله ضاعت ..! من أجرى كل كوكب ؟ ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) يسبح ويحافظ على مداره ويحافظ على سرعته ويحافظ على موقعه صنع من ؟ ذلك تقدير العزيز العليم ! هل هذا تقدير أم لا ؟ وهل يكون التقدير صدفة ؟ .. لا إن التقدير يكون من إرادة مريد .. هذا التقدير من قويّ .. من قادر سبحانه وتعالى وضع كل شئ في مكانه وأجراه في مكانه.
  • نماذج من الإعجاز العلمي للقرآن في الكيمياء :
       أشهر علماء العالم في مؤتمرات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم .. الدكتور استروخ وهو من أشهر علماء وكالة ناسا الأمريكية للفضاء .. قال : لقد أجرينا أبحاثا كثيرة على معادن الأرض وأبحاثا معملية .. ولكن المعدن الوحيد الذي يحير العلماء هو الحديد .. قدرات الحديد لها تكوين مميز .. إن الالكترونات والنيترونات في ذرة الحديد لكي تتحد فهي محتاجة إلى طاقة هائلة تبلغ أربع مرات مجموع الطاقة الموجودة في مجموعتنا الشمسية .. ولذلك فلا يمكن أن يكون الحديد قد تكون على الأرض .. ولابد أنه عنصر غريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها قال تعالى : ( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) سورة الحديد : 25
  • نماذج أخرى

انفصال الأرض في علم الفلك

لقد ثبت عند علماء الفلك حقيقة علمية أن الأرض أنفصلت عما في السماء، وأختلف العلماء في طبيعة هذا الأنفصال فهناك من يقول إنها أنفصلت عن الشمس وآخرين لهم نظرية تقول بإنها أنفصلت عن نجم آخر، وإذا كان يصعب على الإنسان تصور هذا فإن البدوي في الصحراء أكثر الناس سخرية من هذا القول، غير إن هذه الحقيقة الكونية قد أجراها الله على لسان رجل أمي هو محمد، لا يعرف شيئا من علوم الفلك قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فيما أوحي إليه من القرآن، حيث قال:Ra bracket.png أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ Aya-30.png La bracket.png

الماء والحياة

ولقد تضمنت الآية القرآنية أعلاه حقيقة علمية أخرى لا تحتاج إلى توضيح وهي أن سائل الماء شيء مهم وأساسي لوجود الحياة على كوكب الأرض، ولا يوجد حالياً سائل في الأرض يصلح أن يكون وسطاً صالحاً للتفاعلات الحيوية في جسم الأحياء غير الماء، ولقد اكتشف أحد الباحثين إن بعض الأحياء المجهرية كالبكتريا تستطيع العيش بدون هواء لفترة زمنية ولكنها لا تستطيع الأستغناء عن الماء مطلقاً كما تشير الآية إلى ذلك من قبل أن يعرف البشر هذا، وإن كانت الآية تشير إلى حقيقتان علميتان فما أحرى أن يكون الخطاب موجهاً للكفار دون غيرهم لعلهم يؤمنون.

الفرث والدم في علم التشريح للأنسجة

بعد تقدم العلم وأكتشاف كيفية تكون اللبن في الأنعام، ووجد الباحثين أن الأنزيمات الهاضمة تحول الطعام إلى فرث يسير في الأمعاء الدقيقة حيث تمتص العروق الدموية - الخملات - المواد الغذائية الذائبة من بين الفرث فيسري الغذاء في الدم، حتى يصل إلى الغدد اللبنية وهناك تمتص الغدد اللبنية المواد اللبنية التي سيكون منها اللبن من بين الدم فيتكون اللبن، الذي أخرج من بين فرث أولاً، ومن بين دم ثانياً، وذلك نص صريح تنطق به الآية في القرآن:Ra bracket.png وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ Aya-66.png La bracket.png

انخفاض نسبة الأوكسجين عند الصعود إلى الأعلى نحو السماء

بعد تمكن الإنسان من بلوغ السماء بالطيران بوسائل النقل الحديثة عرف أنه كلما أرتفع إلى الأعلى في الجو قل الأوكسجين والضغط الجوي، مما يسبب ضيقاً شديداً في الصدور وعملية التنفس، وذلك عين ما تنطق به الآية قبل طيران الإنسان بثلاثة عشر قرناً من الزمان كما ورد في القرآن:Ra bracket.png فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ Aya-125.png La bracket.png والحرج شدة الضيق، والآية تبين أنه من عمل ما يستحق به أن يعاقبه الله بإضلاله. فمثل حاله عند سماعه الموعظة وما يتصل بها من الإيمان بالإسلام،وما يصيبه من ضيق شديد كمثل الذي يتصعد في السماء، فما أدرى الرجل الأمي بهذه الحقيقة التي لا يعرفها إلا من صعد للسماء، فهذا إعجاز علمي لا ريب فيه.

طبيعة الجبال كالأوتاد في علم الجيلوجيا

الوتد يغرس في الرمل لتثبيت الخيمة، وهكذا الجبال فقد أخترقت بامتداداتها الطبقة اللزجة التي تقع في أسفل الطبقة الصخرية التي تكون القارات، فأصبحت بالنسبة للقارات كالوتد للخيمة، فالوتد يثبت الخيمة بالجزء الذي يغرس في الصحراء وهكذا الجبال تثبت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة اللزجة التي تقع تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات. ولقد تأكد للعلماء هذه الحقيقة العلمية في علوم الأرض عام 1965 وعلموا أنه لولا خلقت الجبال هكذا كالأوتاد لطافت القارات، ومادت الأرض وأضطربت من تحت أقدامنا، فالقرآن يذكرنا بهذه الحقيقة بقوله:Ra bracket.png وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ Aya-15.png La bracket.png

التراكب في الحب والثمار في النباتات والصبغة الخضراء

جهل الناس عموماً كيف يتكون الحب والثمار في النبتة، كما جهلوا كيف تتكون أجزاء النبات المختلفة، وأخذ العلماء يدرسون علم النبات وكيف يكون النبات حبوبه وثماره لعلنا نقدر على محاكاة هذه الحقيقة الغائبة عن تصورنا، ثم اكتشف علماء النباتات التمثيل الضوئي أو - التمثيل الكلوروفيلي - حيث وجدوا أن في النبات مصانع خضراء صغيرة - بلاستيدات خضراء - هي التي تعطي النبات لونه الأخضر ومنها تخرج المواد الغذائية التي تتكون منها الحبوب والثمار، وسائر أجزاءه. وبعد سقيه بالماء يخرج النبات من البذور في الأرض وهذه المصانع الخضراء هي أول من يخرج من الحبة عند بدء نموها، وكما قالت الآية في القرآن:قالب:قرآ، مصور فالآية أشارت لحقيقة المادة الخضراء بأنه يخرج منها الحبوب والثمار متراكبة فالحديث هنا عن الصبغة الخضراء المعروفة بالكلوروفيل لا عن النبات.

مواقع النجوم في الفيزياء الفلكية وهي ليست كما ترى

إن الناظر للسماء يظن النجوم قريبة، غير أن التقدم العلمي في علوم الفيزياء الفلكية جاء ليبين لنا إن الأبعاد فيما بين النجوم ومواقعها كبيرة جداً لا يتخيلها أو يتصورها عقل بشر، وهذه النجوم قد خرج منها ضوءها قبل فترة طويلة فمنها ما يبعد سنوات ضوئية. عن الأرض ومنها ما يبعد عدة ملايين من السنين الضوئية. ومانرى في الحقيقة سوى مواقعها التي غادرتها في غابر الأزمان، وهذه الحقيقة بقيت مجهولة حتى مطلع القرن العشرين، حيث بينت المراصد الفلكية بعد المسافة إلى هذه الأجرام السماوية وكوننا لا نرى سوى مواقعها التي غادرتها وهذه النجوم تنطلق في الفضاء بسرعة كبيرة لا يعلم مداها وهي تضيء وينطلق ضوءها من حولها، وهي كما قالت الآية:Ra bracket.png فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ Aya-75.png وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ Aya-76.png La bracket.png

  خاتمة : وفي خلاصة الأمر فإن القرآن الكريم كلام الله الذي أنزله للعالمين رحمة ويشف به صدور قوم مؤمنين وينذر به قوماً لداً ، فيه دستور كامل للدولة الإسلامية ومنهج كامل ينظم حياة الفرد والمجتمع ويضبط به جماح الشهوات والأهواء ويصنع من الإنسانية مجتمع طاهر منظم تعمه الرحمة والتكافل ، ولا يزال القرآن يمدنا بأنواع من العلوم ويفجر لنا كنوز المعرفة ويحي عقولنا بإثارة الفكر ، وفوق كل هذا نور يهدينا إلى سواء السبيل ويقودنا إلى جنات النعيم المقيم .. فاللهم اهدنا به واجعله حجة لنا لا علينا واجعلنا ممن قرأه فوعاه وحفظه وعمل به .. يا ربنا إنك للدعاء سميع مجيب ، وصلى الله على نبينا وحبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم والحمد لله رب العالمين .

المزيد حول الموضوع